قائمة المدونات الإلكترونية

السبت، 30 يوليو 2011

صراع النيتو بالمنطقة العربية

 بقلم فائق هيكل
السبت  ٣٠ /٧ / ٢٠١١ م


الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة لسنا بصددها ، انما مشكلة العرب هي خروج جيوش الإحتلال من الأراضي العربية وإحلال حكام عملاء لهم ، يحمون مصلح الغرب بالجيوش العربية ، ويحومون اسرائيل بدعم اقتصادها وخذلان القوي التحررية بالوطن العربي ، والآن هذه الأنظمة لما هبت عليها الحركات التحررية انشأت قواعد لأمريكا والغرب علي أراضيها لحماية أنظمتها ولتحمي امريكا والغرب مصالجها هذا فيما يتعلق بدول المولاة ، ومن سموهم 14 آزار ضمن الركب يسيرون سير دول المولاة للغرب ، وأشهرهم العرش السعودي وأزلامه من الكويت وقطر والبحرين الخ ومصر اصبحت من التابعين لهذه الدول ،و كما نظن أنها مرغمة من عصر السادات ومبارك وكذا العرش الهاشمي بالأردن ، اما المحور العربي الآخر الرافض والتي تقوده ايران بولاية الفقيه وكما فعل بالغرب بزرع اليهود بوسط العالم العربي تحت حماية الغرب الصليبي بعد فشل حملاته وأستسلم لها محور العرش السعودي وتابعية الأصليين والمدجنين ، كذلك فعلت ايران نفس الفكرة بالعالم العربي بلبنان بزرع حزب حسن نصر الله ،وضمت ايران سوريا لمحورها ولعل هناك دولا أخري غير معلنة بل عند الصراع ستظهر بالأفق ، والأن بدا الصراع يشتد بعد ازاحة النظام المصري ، والمطلوب تقويض المعسكر الإيراني بعد فشل محور الإعتدال العربي من تنفيذ ما هو مطلوب منه وبدأت الشعوب تهدد تلك الأنظمة ، ولذا تحركت المحكمة الدولية لإستدراج حزب الله اللبناني من خلال المحكمة الدولية وهو سيرفض وقد رفض والمحكمة الدولية انشئت طبقا للفصل السابع وعند الإستعداد لضرب حزب الله وسوريا معا سيكون هذا هو المبرر ، في حين ان التقارير تفيد أن نتانياهو و وزير دفاعه خططا لضرب ايران خلال مناقشة اقامة الدولة الفلسطنية بالأمم المتحدة ، رغم عدم موافقة امريكا ولكنه قد ينفذ وستتورط امريكا بهذه الحرب ، لذا بدأ تقويض النظام السوري لوقوعة بسفك دماء شعبه وهم قد تركوه ليقع في هذه الخطيئة الكبيرة مع شعب سوريا ، وقد كان فلن يبقي هذا النظام بحكم سوريا بعدما كان منه ماكان ،لذا فإن اتهام حزب الله هو اتهام غربي ، ومخطط لتقسيم الشرق الأوسط ، وهذا يجري علي قدم وساق، والتحكم الإقتصادي بأمريكا والغرب بيد اللوبي الصهيوني للإستيلاء علي فوائض النفط العربي ببنوكهم بإدعاء خسارتها ، ولإمتصاص فائض العمل بميزانيات امريكا والدول الغربية نتيجة تورطهم بالحروب بالعالم مما سبب لهم ركود اقتصادي وعجزهم عن سداد اقساط الديون و فوائدها ثم بيع البنوك الديون بعضها لبعض ، ولذا فإن بوادر الإنهيار الإقتصادي بوادره بدأت تظهر الأمر الذي يرجح نشوب حرب عالمية ثالثة وهي قد يراها الجيل الحالي
                                                    

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

iGoogle


لمحات من تاريخ السعودية والخلاف بين الملك سعود والملك فيصل ثم اغتيال فيصل

كتبهاضباط السعودية السعودية ، في 15 مايو 2011 الساعة: 20:16 م



لا تنسوا أن ما مَن رجل منكم إلا وذبحنا أباه أو أخاه أو ابن عمه، وما ملكناكم إلا بحد السيف، ترى صحيح والسيف بيدنا، ولا تظنوا أن لكم قيمة كبيرة عندنا، أنتم عندنا مثل التراب"



هذا ما قاله مؤسس الدولة السعودية الثالثة، الملك عبد العزيز أمام حشد من سكان منطقة نجد بعد استيلائه عليها وفق ما ورد في الجزء الثاني من كتاب (ملوك العرب) للكاتب والمؤرخ المعروف أمين الريحاني.

استمر حكم آل الرشيد في الرياض، وبقيت القوات العثمانية في المنطقة الشرقية، وتوزعت بقية المناطق في شبه الجزيرة العربية على أمرائها المتنازعين على النفوذ فيها حتى عام 1319هـ- 1902، حين جاء الملك عبد العزيز إلى الجزيرة العربية قادماً من الكويت مستفيداً من احتدام النزاعات الدولية بين العثمانيين والبريطانيين على المنطقة.

تمكن عبد العزيز من احتلال الرياض وقتل حاكمها من آل الرشيد الذين كانوا يحكمون وسط الجزيرة العربية، ثم استولى على وسط نجد عام 1321هـ - 1904 وتبعتها منطقة القصيم عام1324هـ - 1908 ثم استولى على الأحساء التي كان يحكمها العثمانيين سنة 1330هـ ـ 1913، حتى اجتاح عاصمة آل رشيد (حائل ) وقضى على دولتهم سنة 1340هـ ـ 1921.

تجدر الإشارة هنا إلى أن النزاعات الدموية العنيفة التي سادت أوساط آل رشيد على السلطة في تلك الحقبة هي التي مكنت آل سعود من اختراقهم واستمالة عدد من زعمائهم الطامعين بالسلطة سعياً إلى مزيد من زرع التفرقة في صفوفهم والتغلب عليهم في آخر المطاف،


تتوافق المراجع التاريخية على أن محمد بن طلال كان آخر أمراء آل رشيد الذي أسره عبد العزيز ونقله إلى الرياض ليتزوج من ابنته جواهر ولم ينجب منها في حين زوّج شقيقتها الصغرى وطفاء لابنه مساعد عام1364 هـ - 1944، وقد أنجب منها خالد الذي قُتل بتهمة التطرف ومهاجمة محطة تلفزيونية عام 1385هـ - 1966، وفيصل الذي قام باغتيال عمه الملك فيصل عام 1395هـ - 1975[10].

عام 1341هـ - 1922 قام عبد العزيز بالقضاء على حكم آل عائض في منطقة عسير في الجنوب الغربي، وبعد مناورات وتحالفات استطاع السيطرة على منطقة الحجاز التي كانت تحت حكم الشريف الملك حسين بن علي ( ملك مملكة الحجاز ) وذلك بعد قتال استمر منذ عام1337هـ ـ 1919 حتى سنة 1353هـ - 1934. وكان عام 1351هـ ـ 1932 قد قضى على حكم الأدارسة في الجزء الجنوبي على الحدود مع اليمن (جيزان ) وضمها نهائياً إلى الدولة السعودية ليكتمل بذلك العهد الثالث من تاريخها الحديث.

ويستعرض المؤرخ عبد المنعم الغلامي تاريخ الملك عبد العزيز في كتاب له فيذكر بالتفصيل اثنين وخمسين واقعة حربية خاضها لتثبيت حكمه في الجزيرة العربية، كما يذكر من بينها غزوات شارك فيها وقاد بعضها الملك فيصل، الذي صحبه والده في غزوة ياطيب عام1335هـ ـ 1917 وهو في الحادية عشرة من عمره، وأوكل إليه قيادة الجيش الزاحف إلى عسير عام1340هـ - 1922 وهو في السادسة عشرة من عمره.

أما عن كيفية تعامل الملك عبد العزيز مع مسألة النزاعات العائلية على الحكم فيقول هارولد سي. آرمسترونغ Harold C. Armestrong[11] يقول إن الملك عبد العزيز قد رفض محاولات خلافة سعود الكبير والعريف وجلوي عند نهاية القرن، إما من خلال المعارك التي شنها ضدهم، أو عبر المصاهرة والاستمالات المتنوعة. ويضيف في جانب آخر أنه حين عارضه أبناء عمه سعود، ووقفوا وراء انتفاضات وحركات تمرد مسلحة خطيرة حصلت في قبيلتي العجمان والحساسنة عام1325هـ - 1908، استعان عبد العزيز بكل ما لديه من وحدات مسلحة للقضاء على الثورة.

ويضيف الكاتب أن عبد العزيز قام في جولة واحدة بجمع 19 قائداً من الأسرى في مدينة ليلى وقام بتنفيذ إعدام علني مؤثر. بعد سقوط 18 رأساً بضربات السيوف، عفا عبد العزيز عن التاسع عشر و"أطلق سراحه ليذهب ويخبر بما رأته عيناه من انتقام ابن سعود " ويبدو أن هذا المثال الصارم قد نشر نفوذ عبد العزيز بين أبناء عمومته ومن قد يقف تسول له نفسه الوقوف وراءها من شيوخ و زعماء القبائل.

وقد عرف عن عبد العزيز لجوؤه إلى سبل التحالفات والمصاهرة والمشاركة في الحكم لاستمالة فروع العائلة التي قد تنافسه على الحكم وتشكل خطراً داخلياً عليه. هذا ما عمد إليه بشكل واضح مع الفرع الرئيسي لعائلة آل سعود وهو سعود الكبير كما يسمى في المراجع التاريخية السعودية بلقب (العرافة )

كانت هذه الأسرة قد أبدت تحدياً واضحاً في أكثر من مناسبة لنظام الخلافة السائد مرتكزة على تقدمها كفرع رئيسي في العائلة، فأحبط عبد العزيز هذه المحاولة بتزويج إحدى أخواته، نورة، بالمطالب الرئيسي بالحكم، سعود بن عبد العزيز بن سعود الكبير، ليستميل بذلك أسرة عبد العزيز الكبير وكسب تأييدها كما جعلها تشارك في حكم فرعه في العائلة.

كما اتبع هذه الطريقة مع حلفائه الموحدين في أسرة الشيخ محمد عبد الوهاب (الوهابية) وقد سار في هذا المجال على خطى سلفه الأمير محمد بن سعود الذي تزوج من ابنة حليفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهكذا تزوج عبد العزيز من طرفة ابنة عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، التي أنجبت فيصل بن عبد العزيز .

ولكن هذه الطريقة لم تفلح باستمرار كما يقول الكاتب ألكساندر بلاي Alexander Bligh[12]، خصوصاً على مستوى أسرة آل سعود فالأمور لم تكن على هذه السهولة باستمرار.

ويشير المؤلف[13] إلى أن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي، والد عبد العزيز قد أنجب عشرة أبناء منهم بالتسلسل فيصل وعبد العزيز ومحمد وسعد وسعود وعبد الله وأحمد ومساعد وسعد، أي أن محمد يأتي بعد عبد العزيز مباشرة، حتى أنهما ولدا في العام1293هـ - 1880 نفسه.

وقد لعب كل من محمد وعبد الله ومساعد أبرز الأدوار السياسية إلى جانب عبد العزيز، كما شكل محمد وعبد الله، في وقت من الأوقات خطراً على مساعي عبد العزيز تشكيل تسلسل عمودي للخلافة، ينقل من خلاله السلطة بالوراثة إلى أبنائه بدل إخوته.

وينقل ألكساندر بلاي عن أحد التقارير مقتل خالد بن محمد بن عبد الرحمن في حادث صيد غامض بعد أن حاول ابن شقيق لعبد العزيز في مرات متتالية قتل ولي عهده وأول من حكم البلاد من بعده، الأمير سعود بن عبد العزيز.

مع استيلاء عبد العزيز على الحجاز عام 1345هـ - 1926 أصبح سلطاناً على نجد بموجب معاهدة الحماية التي وقعها مع بريطانيا وجعلت من السعودية محمية بريطانية، ( راجع نص معاهدة الحماية البريطانية من كتاب "جزيرة العرب في القرن العشرين" للكاتب حافظ وهبة) وذلك على غرار بقية المعاهدات التي وقعتها الدولة العظمى حينها مع محميات أخرى في عمان وحضرموت وغيرها، أمّا لقب الملك فكان غنيمة من الملك حسين بن علي بعد الاستيلاء على الحجاز وتوحيد المنطقتين وإعلان المملكة عام 1351هـ -1932م

أدى اتساع رقعة الأراضي التي يسيطر عليها آل سعود إلى حاجة عبد العزيز لأن يمضي فترة إقامة طويلة في كل من مكةالمكرمة التي أصبحت عاصمة للمملكة الجديدة، والرياض عاصمة السلطنة، ونظراً لبعد المسافة وصعوبة التواصل بينهما قام بتنصيب نائب له في كل من المنطقتين فعيّن ابنه سعود ولياً للعهد ونائباً له في نجد، تقديراً لأهمية السلطنة في غزواته اللاحقة، كما اختار فيصلاً لينوب عنه خلال فترة غيابه عن الحجاز، فكانت هذه أولى بذور النزاع على السلطة بين الشقيقين.

توفي عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود سنة1373هـ - 1953 وسط تفاقم النزاعات على السلطة بين العاهل السعودي الجديد سعود بن عبد العزيز وشقيقه ولي العهد ورئيس الوزراء المعين حينها الأمير فيصل إلى جانب ما شهدته تلك المرحلة من تفاعلات في الظروف الداخلية المتأثرة بنهوض حركات التحرر الإقليمية وأجواء الحرب الباردة على المستوى الدولي.

كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت بانتصار الحلفاء على دول المحور، وكان الملك عبد العزيز قد وقف إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي برزت من بين القوى التقليدية العظمى وأبدت اهتماماً حديثاً في المحميات البريطانية السابقة، فوافق على منحها قاعدة عسكرية على أراضي المملكة عرفت بقاعدة الظهران عام1365هـ - 1946 مقابل أجر مالي استمر حتى عام1382هـ- 1962 عند إغلاقها نتيجة الضغوط الداخلية وتنامي الموجة القومية والناصرية في المنطقة.

برغم هزيمة فلسطين عام1367هـ - 1948 شهدت المنطقة إبان تسلم الملك سعود مقاليد الحكم عام 1373هـ - 1953م نوعاً من الغليان الإقليمي الذي تمثل في تحرر عدد من الدول العربية المجاورة واستقلالها من الانتداب الفرنسي والبريطاني، كما تبع ذلك عدد من التحولات السياسية التي تمثل بعضها بمجموعة انقلابات عسكرية وقع أولها في سوريا عام 1368هـ - 1949م تبعته أحداث مشابهة ثبت فيها تورط دول عربية في زعزعة استقرار بلدان أخرى وإثارة الاضطرابات الداخلية فيها.

وقد توجت تلك الوقائع بتشكيل تحالفات دولية كحلفي وارسو والناتو، وما تفرع عنهما من أحلاف إقليمية على غرار حلف بغداد وحلف السيانو في آسيا، إلى جانب تجاذبات سياسية أخرى أثارت مخاوف السعودية وغيرها من الدول الخليجية المجاورة لما اعتبرته تهديداً للأنظمة الوراثية السائدة فيها خصوصاً ما يتعلق منها بالطفرة القوميةالعربية والناصرية التي انتشرت إثر الإطاحة بالملك فاروق بعد انقلاب الضباط الأحرارفي مصر عام1371هـ - 1952م

إلا أن هذه الأحداث لم تمنع اعتلاء سعود بن عبد العزيز العرش بشكل سلس ودون أي مواجهة أولية تذكر مع شقيقه الأمير فيصل الذي أصبح ولياً للعهد. وتقاسم الأخوان في السنوات القليلة اللاحقة السلطة والمسؤوليات وفق ما تسنى لهما، فعمل سعود على تعزيز قاعدة حكمه ضمن صفوف العائلة بينما سعى فيصل إلى التركيز على مجلس الوزراء، حتى بدأت تظهر أولى ملامح الانقسام من خلال التعيينات فكان من مؤيدي فيصل ابنه الأمير عبد الله الفيصل وزير الداخلية، وأخواه فهد، وزير التعليم، وسلطان وزير المواصلات.

مقابل ذلك عين سعود أبناءه في مناصب قائد الحرس الوطني (سعدبن سعود) وقائد الحرس الملكي (بندر ومنصوربن سعود) ووزير الدفاع (فهد ومحمد) وأمير منطقة الرياض بدر، وأمير مكة (عبد الله) ورئيس الديوان وغيرها ما أثار قلق أشقائه إزاء ميل سعود لحرمانهم من المناصب الحكومية البارزة، وقد خشي الكثيرون أن تكون هذه التعيينات إشارة إلى نية سعود نقل الخلافة إلى ذريته بدل أخوته.

ساهم في تعزيز هذه الفكرة عدد أبناء سعود الذي بلغ 53، فقد تفوق في ذلك على والده، إذ انجب عبد العزيز36 ابناً. كما زاد نفوذ أبناء سعود حتى عرفوا بلقب الملوك الصغار، وقد يكون هذا ما يبرر ولو جزئياً الدعم الذي حظي به فيصل من قبل أشقائه في نزاعه مع سعود[2].





جاء رد الأمير فيصل على ذلك بتعزيز استئثاره بمواقع السلطة والقرار، فاحتكر لنفسه مناصب ولي العهد ونائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الشورى ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ووزير المالية والقيادة العليا للجيش إلى جانب تعزيز صلاحياته في مجلس الوزراء على حساب ما يفترض أن يتمتع به الملك سعود قياساً بما كان لدى الملك عبد العزيز من صلاحيات.

اعتبرت تلك النزاعات من أشد أزمات الأسرة الحاكمة تعقيداً وذلك لتعدد أسبابها ونطاقها، علماً أن السبب الجوهري يكمن في المخاوف الأمنية لدى النخبة الحاكمة، إلى جانب ما أشيع حول بذخ وإسراف الملك سعود ومشارفة المملكة على الإفلاس متمثلاً بتنامي مستوى الدين العام وحالة التضخم المالي وانخفاض قيمة الريال السعودي حتى بلغ نصف قيمته الرسمية وما إلى ذلك من ظروف مشابهة اجتمعت كلها برغم ارتفاع إيرادات الدولة النفطية.

أضف إلى ذلك الضغوط الناجمة عن عدد من المقتضيات الإقليمية والدولية، فقد أخذ على سعود إهماله السياسات الرئيسية تجاه العراق والأردن وسوريا ومصر والولايات المتحدة، وارتكاب العديد من الأخطاء الجسيمة في السياسة الخارجية.

من بين المآخذ التي سجلت على سعود اتباع سياسة حياد تجاه الولايات المتحدة، وتشجيع التقارب مع المملكة الأردنية الهاشمية، وتعزيز التقارب مع مصر، حيث كان جمال عبد الناصر يتبنى سياسة مناهضة الاستعمار، هذا إلى جانب اشتعال الأزمة اليمنية التي شكلت معضلة أخرى تواجه الأسرة وتثير مخاوف النخبة الحاكمة على ميراثها في المُلك.

- تعكس مجموعة من الوثائق الأمريكية التي تعود إلى تلك الحقبة ما شهده نزاع الشقيقان فتقول إحداها أن تزايد منزلة فيصل في الحكم قد أزعجت الملك سعود، فبدأ السعي لتعزيز نفوذه بين الزعماء الدينيين والقبائل الشرقية ووسط البلاد، وعمل على كسب بعض العناصر الحضرية والقبائل الشرقية ووسط البلاد حتى العناصر الحضرية الصغيرة عبر تلميحات متكررة برغبته في إنشاء مجلس مستشارين يمثلون فيه، كما استغل احتجاجات بعض أصحاب المصالح لتحريضهم على سياسة فيصل الداخلية[3].

نلاحظ تنامي بوادر صراع على سلطة الذي بدأ ضعيفاً ثم اشتد تدريجياً، وقد بدأت علامات النزاع حينما شكا الملك للسفير الأمريكي أن الميزانية السعودية لم تعد توفر احتياجات كافية لمشروعات التنمية مما سيؤدي إلى نقص مرتبات الموظفين الحكوميين، الأمر الذي يهدد بتعطيل العمل[4].

كما قال الملك إن فيصل كان مهتماً فقط بالنظم الاقتصادية والإصلاح المالي، وأن فيصل قد هدد بالاستقالة في حالة استخدام المملكة القروض الأجنبية من أجل التنمية، وأبدى الملك ملاحظة وهي عدم رضا الدوائر الحكومية العسكرية عن نظم فيصل الاقتصادية وإصلاحاته وأن هذه الملاحظة تشجعه مرة ثانية أن يصبح رئيس مجلس الوزراء[5].

ويبدو أن الولايات المتحدة كانت غير راغبة في تشجيع الملك على طلب قروض من الولايات المتحدة ومن ثم فقد ردّت وزارة الخارجية الأمريكية، وأوضحت للملك أن مسألة القروض مستحيلة إلا من خلال وكالتين فقط في الولايات المتحدة وهما بنك الإستيراد والتصدير وصندوق قروض التنمية، الأول يوفر قروضاً بالدولار ترد للحكومات والشركات الخاصة، تتضمن صادرات أمريكية، وأشارت الخارجية إلى أن المملكة سبق وأفادت في الماضي عن مثل هذه القروض، وصندوق قروض التنمية يوفر قروضاً قابلة للسداد بالدولار أو العملة المحلية من أجل التنمية، ولكن لا توجد حالياً أرصدة متاحة، وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أنها متعاطفة، وترغب بتطوير العربية السعودية ومستعدة لمناقشة المشروعات الاقتصادية السليمة مع حكومة السعودية في الوقت المناسب، كما أن وزارة الخارجية تعتقد أن العربية السعودية ستكون في وضع أفضل لتأمين قروض من هيئات القروض الدولية أو الأمريكية، حينما يتوازن وضعها المالي وحين تقوم بسداد التزاماتها المادية، وأوضحت أن المساعدة المتاحة الآن من قبل الولايات المتحدة كحكومة في أزمة السعودية الراهنة هي مد فترة سداد مدفوعات المشتريات العسكرية[6].

أما الملك سعود فمن الواضح أنه كان في تلك الفترة يتهيأ لتولي شؤون رئاسة الوزراء، ففي مناقشة مع السفير الأمريكي ذكر له أنه في حاجة إلى مبالغ طائلة لقروض التنمية قبل أن يتولى دوره كرئيس للوزراء، وكانت نصيحة السفير الأمريكي للملك سعود هي ألا يتولى مقاليد الحكومة[7].

يتضح هنا أن السفير الأمريكي كان يجمع معلومات عن طبيعة العلاقة بين فيصل والملك، فقد ناقش هذا الموضوع مع أحد أعضاء مكتب رئيس الوزراء فيصل، فأجابه المسؤول أن سياسات الإصلاح تخدم العربية السعودية، وأن فيصل لم يكن ضد الأمريكيين، وأنه على الرغم من أن فيصل لم يكن ليطلب أبداً مساعدة للتنمية إلا أنه سيقبلها لو عرضت عليه[8].

وفي جانب آخر من هذه البرقية يتأكد أنه قد وصلت إلى السفير الأمريكي العديد من التقارير، عن خلافات خطيرة بين الملك وولي العهد، وبناء على ذلك فقد طلب السفير الأمريكي لقاء الأمير فيصل، وشرح له الهدف من هذه المقابلة، معتبراً أن السفارة في تلك الأوقات الحرجة كانت حريصة على إرسال تقرير عن الموقف بدقة، وأنها غير قادرة على تقييم هذه الشائعات التي إن صحت فسيكون لها تأثير هام على السياسة السعودية. فأجاب فيصل مباشرة أنه لا توجد خلافات بينه وبين الملك، فكما هو الحال بين الأصدقاء فإننا لا نتفق في الرأي أحياناً، لكننا لسنا أبداً على خلاف مع أحدنا الآخر، مختتماً حديثه بعبارة : "لن يأتي اليوم الذي أقف فيه في مكان والملك في مكان آخر".

اكتفى السفير في تقريره السابق بهذا القدر الذي نفى فيه فيصل أي خلاف بينه وبين الملك سعود ولكن على ضوء تقارير أخرى عن هذا الموضوع فإن السفارة أصدرت حكماً على الموقف بعد دراسة ووصلت فيها إلى الآتي :

1. توجد خلافات خطيرة في الرأي حول سياسة الدولة بين الملك وفيصل، وفيصل لا يريد أن يكشف عنها لأي أجنبي، لا لأنه غير أمين، ولكن لأنه مقتنع بقدرته الذاتية على حلها قبل أن تسبب المتاعب.

2. إن فيصل يرفض أن يدع هذه الخلافات تتطور لتصبح انقسامات مكشوفة (ففي رأيه أن الأمر يستلزم اثنين حتى يتعاركا وهو لن يعارك)

3. إن الولاء للملك والإخلاص لانقاذ الأسرة الحاكمة يحول دون تآمر فيصل ضد الملك.

4. سوف يعمل فيصل بإصرار من أجل الاصلاحات الاقتصادية الداخلية، وتنظيم الحكومة وعدم التورط في الأمور الخارجية حتى يأتي اليوم الذي يختار فيه الملك أن يتصرف ضده.

5. إذا طلب الملك من فيصل أن يترك رئاسة مجلس الوزراء فسوف يفعل هذا بدون ضجة.

6. إن أفضل وجهة نظر بالنسبة للعربية السعودية أن يظل الملك ملكاً اسمياً وفيصل هو المسيطر فعلياً[9].

وقد بلغ الاهتمام الأمريكي بموضوع الخلاف بين سعود وفيصل، حد الدعوة لعقد اجتماع مجلس الأمن القومي رقم 406 بتاريخ 13 أيار/مايو وأعلن القائم بأعمال مدير المخابرات المركزية الجنرال كابيل عن الخلافات بين فيصل وسعود الواردة في موجز المخابرات الموجز بعنوان (تطورات عالمية هامة تؤثر على أمن الولايات المتحدة).

ويقول التقرير : أنه فيما يتعلق بالخلاف بين الملك سعود وولي العهد فيصل، كانت في أوجها، وقد أعاق الملك برنامج الإصلاح الذي تبناه فيصل، وأضاف التقرير أن ولي العهد على استعداد للاستقالة، وولي العهد ليس في صحة جيدة، ومن غير المحتمل أن يتحدى الملك في صراع كامل، وتبدو الأزمة الحالية نتيجة لرفض فيصل أن تكون ديون الملك التزامات حكومية، وأضاف التقرير أن موقف الأمراء العرب السعوديين تجاه صراع ولي العهد والملك ليس واضحاً.

وكتبت المخابرات المركزية تقريراً حول صراع سعود – فيصل، يبدي تخوفاً من احتمال أن يؤدي الصراع بين فيصل وسعود إلى عدم استقرار سياسي واقتصادي. كما يوضح التقرير، أنه لا يوجد تحدِّ خطير للوضع القائم خارج الجماعة الحاكمة، كما أن هناك عدم رضا كبير بين العناصر الحضرية من المتعلمين والعمال بما في ذلك ضباط الجيش الأصغر سناً وسلاح الجو والخدمة المدنية، ولكن لا يوجد دليل واضح على أية حال، على أن هناك بين هؤلاء الساخطين أية حركة منظمة ضد النظام الملكي.

أضاف التقرير أنهم لا يعرفون أي جماعة إصلاحية تتآمر ضد النظام من خارج البلاد، والوطنيون الأكثر وضوحاً الذين يعبرون عن آرائهم، والذين يعتنقون الفكر الناصري قليلون، ولكن هؤلاء متعاطفون مع فيصل لأن فيصل يستمع إلى بعض وجهات نظرهم وأكد التقرير أنه ليست هناك أية دلائل على تشجيع ناصر لتلك العناصر الثورية التي تتطلع إلى زعامته، ويرجع هذا من وجهة نظر التقرير إلى أن عبد الناصر مشغول تماماً مع العراق والشيوعيين في المنطقة، فضلاً عن المشاكل الداخلية التي يواجهها في الجمهورية العربية المتحدة[10].

ولكن واشنطن لم تستطع إخفاء انحيازها إلى جانب فيصل برغم حرصها الشديد على عدم الإيحاء بالوقوف إلى أي من طرفي النزاع. فأرسلت وزارة الخارجية برقية مفصلة إلى السفارة في السعودية منبهة إلى ضرورة مراعاة الحرص البالغ لتجنب أي إيحاء بأن الولايات المتحدة ترغب في التدخل في صراع القوة بين فيصل وسعود لتساند أياً منهما، ولكنها في جانب آخر من الرسالة تقول إن على السفير أن يوضح للجميع بما فيهم الملك أن حكومة الولايات المتحدة تكن أعظم الاحترام لفيصل وأنها مقتنعة اقتناعاً راسخاً بالاصلاحات المالية التي استهلها، وأنها في صميم مصالح العربية السعودية. كما طلبت وزارة الخارجية من السفير أن يأخذ المبادرة بزيارة مبكرة لفيصل[11].

من الواضح أن مرض فيصل قد سبب قلقاً للسفارة الأمريكية والخارجية الأمريكية، حيث اعتبروا أن مرضه الذي لا يعرفون عنه الكثير يمكن أن يسبب مشكلات حقيقية بشأن علاقة الولايات المتحدة في المستقبل مع العربية السعودية، وتخوفت الخارجية الأمريكية من أن يستعيد سعود سلطاته إذا ما أصاب فيصل عجز لأي مدى زمني، واعتبروا أن أية محاولة من الملك للقيام بهذا يمكن أن تؤدي إلى آثار سياسية غير مستقرة في العربية السعودية[12].

ويبدو أن ما أقلق الأمريكيين هو ظهور ما عُرف بالأمراء السعوديين الأحرار وهي مجموعة من الشبان المتأثرين بالأفكار الناصرية والداعين لإجراء إصلاحات فعلية في البلد. هذا ما ورد في مذكرة رسمية أضافت أنه رغم إقامة سعود بعض الصلات بهم ووعد بمؤازرتهم لكنه تحاشى التعهد بالتزامات محددة نحوهم لخشيته من نفوذ رجال الدين.

كما تأتي المذكرة على الإشارة إلى ما ألمح به الأمير نواف بن عبد العزيز في تصريح له بالقاهرة في1380هـ - مايو/أيار 1960 إلى وجود ميل لإقامة أول جمعية دستورية (وطنية) وإعداد أول دستور للدولة وتأسيس محكمة عليا ولجنة للتخطيط، وتختتم المذكرة أنه في حزيران يونيو 1960 اقترح طلال بن عبدالعزيز إقامة نظام ملكي دستوري فرفض فيصل الاقتراح وأبعد عنه طلال وجماعته[13].

يتابع التقرير الأمريكي ذاته اهتمام واشنطن بالنزاع بين الأخوين فيقول أنه بين آب أغسطس ومطلع أيلول سبتمبر عرض الأمراء الشباب مشروع الدستور على الملك فرفضه باعتباره متطرفاً، ولكن حاول الاحتفاظ بصلاته مع المجموعة. وفي عام 1380هـ - أيار مايو 1960 اعتزم فيصل التوجه إلى أوروبا للعلاج، وعين الأمير فهد بن عبد العزيز وكيلاً له، لكن سعود رفض المصادقة على التعيين وأيد عدد من الأفراد فيصل بينما وقف عدد آخر من بينهم طلال ونواف إلى جانب الملك، وأن فيصل لم يجرؤ على مغادرة البلد.

ويضيف التقرير أنه في تشرين الثاني/نوفمبر 1960 أخذ سعود يطالب فيصل بإحاطته علماً بجلسات الحكومة، وعدم تعيين أمراء المناطق والمدن والبلدات والقضاة إلا بموافقته، وبأن يمتنع عن نشر الميزانية دون المصادقة عليها.

ثم تختم الوثيقة الأمريكية بأن الملك طالب بزيادة نفقات البلاط وأن تدفع لأولاده الصغار مخصصاتهم كاملة. وفي 21 كانون أول/ديسمبر قدم فيصل للملك مسودة مرسوم ملكي حول الميزانية، فرفض الملك توقيعه بحجة أنه لا يحتوي على تفاصيل، وفي اليوم عبنه قبل الملك سعود استقالة رئيس الوزراء الأمير فيصل ووزارة فيصل.

في جانب من وثيقة أمريكية أخرى وصف تسلسل الأحداث بالقول إن الملك سعود تولى مهام رئاسة الوزارة بنفسه، وعين وزارة من عشرة أعضاء، تتألف من أربعة أمراء ملكيين، وست من العامة، وتضم وزارة الملك الجديدة رجالاً يتمتعون ببعض الكفاءة ووجهات نظر متحررة نسبياً.

بالنسبة للأمراء الملكيين، ثلاثة من الوزراء في الوزارة الجديدة أخوة أصغر للملك قد تحددت هويتهم مع من يسمون بالأمراء الليبراليين (الأحرار) الذين كانوا يعارضون فيصل، وهم :

عبد المحسن(الداخلية) ابنه محمد بن سعود (الدفاع) هو الابن الثالث والمفضل للملك وهو قدير تماماً، طلال (المالية)، الشخصيات الست من العامة تقنيون أكفاء كان أربعة منهم، عبد العزيز بن حسن (التعليم) ود. حسن نايف (الصحة) وأحمد شطا (التجارة) وعبد الله الرباع (الزراعة) وكلاء وزارات سابقين، وكانوا يقومون حقاً بكل العمل، وكان (سوايل) وزير الخارجية الجديد سفيراً في العراق، وكان قبل ذلك المدير العام لوزارة الخارجية، أمّا الطريقي فقد انطلق بمنصبه من مدير عام إلى وزير البترول.

فيما يتعلق بالوزراء المستبدلين، تقول الوثيقة أنهم كانوا جميعاً باستثناء واحدٍ فقط من رجال فيصل الأقوياء، فقد ظل الأمير سعد بن عبد العزيز، عم الملك ووزير الداخلية السابق، شوكة في حلق الملك سعود لمدة طويلة. كان القائم بأعمال رئيس الوزراء أثناء غياب فيصل في أواخر 1959 وأوائل 1960، ومنع سعود من تولي الأمور في ذلك الوقت.

وتوضح في جانب آخر منها أن الأمير فهد بن عبد العزيز الأخ الأصغر للملك ووزير التعليم السابق (كان يشاع عن أنه المرشح المحتمل للعرش السعودي إذا خرج فيصل أو سعود) [14].

ومن الواضح أن الملك سعود لم يدخر جهداً في كسب المودة الأمريكية، فقد سافر عام 1377هـ - 1957 واستقبل بحفاوة بالغة أعلن خلالها قبوله بإعلان أيزنهاور أو مبدأ أيزنهاور الذي جاء كرد فعل لتداعيات حرب السويس حين أعلن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ما عرف بـ “Eisenhower Doctrine”.

يقضي هذا المبدأ الشهير بإتباع سياسة أمنية إقليمية جديدة وكبرى تم طرحها في كانون الثاني يناير 1957 وتم إقرارها من جانب الكونغرس في آذار مارس من العام نفسه. وهي وثيقة تتعهد بأن الولايات المتحدة سوف تقوم بتوزيع المساعدة الاقتصادية والعسكرية على حلفائها، وأنها إذا اقتضى الأمر ستستخدم القوة العسكرية من أجل احتواء الشيوعية في الشرق الأوسط. كما وافق سعود أثناء هذه الزيارة على تجديد عقد إيجار الحكومة السعودية لقاعدة الظهران الجوية.

ولم يكن ولي العهد السعودي الأمير فيصل بعيداً عما يجري في واشنطن بل كان يراقب عن قرب فقام بكتابة رسالة بعث بها إلى كل من الرئيس أيزنهاور ووزير خارجية جون فوستر دالاس يقول فيها " إنني أعلم أن الأمريكيين يعتقدون أن سعود هو صديقهم الوحيد وهذا بالطبع ليس صحيحاً"[15].

يقول الكاتب الأمريكي جوزيف أ. كيشيشيان[16]، الذي سجل مجموعة كبيرة من المقابلات التي أجراها مع أمراء آل سعود في المملكة، أنه أثناء زياراته للمؤسسات الحكومية كان يشاهد صوراً لجميع الملوك السعوديين باستثناء الملك سعود، وهو علل ذلك بحقيقة ما يشاع عن الذمة المالية للعاهل السعودي الراحل، وفساده الإداري.

ويضيف كيشيشيان الذي أمضى سنوات في السعودية لإعداد كتابه أنه لا توجد مصادر سعودية يمكن الوثوق بها وأن الكثير من المصادر الغربية بعيدة عن الصحة، وهذا ما زاد من صعوبة مهمتنا في البحث عن أسباب سياسية فعلية وراء النزاع بين الأخوين فيصل وسعود للاستيلاء على السلطة والحكم.

هذا ما دفعنا إلى اللجوء لبعض المعطيات الرسمية حول تواريخ وإحصاءات تتعلق بعدد من الوقائع التي يمكنها أن تكون دليلاً على ما شهدته السعودية من متغيرات جدية في الفترة الممتدة بين تاريخ تسلم الملك سعود زمام حكمه عام1373هـ- 1953 وتاريخ إجباره على تسليم العرش لشقيقه الملك فيصل عام1384هـ - 1964، عل ذلك يساعدنا في العثور على الأسباب الفعلية الكامنة وراء نزاع الشقيقين على السلطة.

مجمل ما يُتهم به الملك سعود أنه بدد عشرات الملايين من الدولارات على نزواته، التي يذكر منها أنه تزوج من النساء أكثر مما فعل والده، أو أنه استخدم 250 ألف لمبة لإنارة قصره المسمى بالجنة الصغيرة وما شابه ذلك من اتهامات قد لا ينجو منها كثيرين من أبناء البلاط الملكي السعودي الذي لا يتسم أي من أعضائه بصفة التقشف أو التواضع.

وبما أن العاهل السعودي قد طرد مع أبنائه من البلاد بعد إزاحته عن العرش ومصادرة ممتلكاته وقصوره بحيث لم يعد بالإمكان إحصائها



لجأنا إلى تواريخ قيام المؤسسات الحكومية السعودية الأولى والتي قد تكون السبب في تبديد ميزانية المملكة المتنامية من عائدات النفط لنجد أن الوزارات الرئيسية قد تأسست في عصر الملك سعود، وهي كما يلي :

1- وزارة البترول والثروة المعدنية عام 1380هـ - 1960م

2- وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 1961.

3- مؤسسة الضمان الاجتماعي عام 1962.

4- المجلس الأعلى للتخطيط عام 1960، وكان برئاسة الملك وعضوية وزراء المالية والمواصلات والبترول والتجارة والزراعة والصحة.

5- كلية الصيدلة في جامعة الرياض عام 1960.

6- كلية التربية في مكة عام 1963.

7- كلية الهندسة في الرياض عام 1962.

8- كلية البترول والمعادن في الظهران عام 1963. ثم أصبحت تسمى جامعة البترول والمعادن وحين اعتلى فهد على العرش أسماها (جامعة الملك فهد).

9- وكالة البلديات عام 1962.

10- إعداد مشروع الدستور 1961. ورد في بيان الملك سعود عام 1961.

11- مشروع نظام المقاطعات. نصه الكامل في كتاب "رسالة إلى مواطن" للأمير طلال بن عبد العزيز، القاهرة 1962.

12- مشروع نظام العمل عام1383هـ - 1963. يقال إن هذا المشروع حين عرض على فيصل قال إنه لا يساوي عود الثقاب الذي يجب أن يحرق به. ثم أجبر على اعتماده وإلغاء بعض بنوده بعد حملة اعتقالات واسعة في صفوف العمال.

13- إغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية عام1381هـ - 1961. وكانت هذه القاعدة قد أقيمت عام 1365هـ - 1946 على يد والده عبد العزيز.

14- مشروع التجنيد الإلزامي عام 1961. وقد جمده فيصل وألغاه كلياً.

15- والإنجاز الأهم الذي سجل في عهد الملك سعود هو تنفيذ سياسة عتق العبيد وتحريرهم عام1382هـ - 1962. مع أن هذا قد تم بضغوط من لجان حقوق الإنسان وخطابات عبد الناصر ونداءات الرئيس الأمريكي جون كيندي، وكان صوت العرب يذيع رسائل خاصة حول هذا الأمر. وقد أعتق سعود 1682 عبداً وتكلفت الحكومة بدفع 700 دولار عن كل ذكر وألف دولار عن كل أنثى.

نذكر هنا أن بعض الصحافة الإقليمية اعتبرت هذا العمل إنجازاً لشقيقه فيصل، علماً أن هذا الأخير قد أثار أزمة دبلوماسية عام1351هـ - 1932 حين كان وزيراً للخارجية إذ قام بطرد السفير البريطاني لدى المملكة السير أندريو ريان لاشتراكه في تحرير عدد من عبيد والده استناداً للاتفاقية عام 1927، وقد أعاد التفاوض على اتفاقية معدلة عام 1936 تعترض على إلغاء العبودية في المملكة.

يوجز الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود، في كتابه[18]، إنجازات عهد الملك سعود بن عبد العزيز بالقول إنها كانت فترة الفورة التعليمية، كما أعلن سعود خلالها النظام الأساسي للحكم، وقيام المجلس الاستشاري، هذا إلى جانب العديد من التدابير والأمور الإدارية، على غرار ديوان المظالم. (شكل هذا الديوان فيما بعد أساساً لوزارة القضاء والمحاكم المدنية وغيرها)

أما معطيات النزاع بين الأخوين فيختصرها الكاتب السعودي المحامي الشهيدي بحكاية وصول الملك فيصل إلى السلطة عبر مأثرة شبه أسطورية نشرت على موقع منتديات القمة[19] قد تعتبر الأكثر شيوعاً في الأوساط السعودية





وهي تقول : وصل الأمر بالملك (سعود) أن حاصر بقوات عسكرية قصر فيصل، ووجه فوهات المدافع على القصر، فما كان منه (فيصل) إلا أن نزل إلى هذه القوات بسيارته - برغم تحذير حاشيته له، وما إن وصل عندها حتى اصطف الجميع لأداء التحية العسكرية، ومثل هذه التصرفات دفعت الأمراء لاقتحام قصر الملك سعود عام1384هـ - 1964 أجبروا الملك سعود على التنازل تماماً عن العرش، وصار فيصل بن عبد العزيز ملكاً على السعودية.

تستدعي الإضاءة على وقائع الأحداث التي أطاحت بالملك سعود الإشارة إلى القوى التي كانت سائدة في البلد، وهي تتألف من مجموعتين، الأولى تتألف من حفنة ضئيلة من المنظمات والأحزاب اليسارية وضباط الجيش وحركات مطلبية ضعيفة تنوء تحت قوة وضغط وسيطرة المجموعة الثانية التي تألفت بدورها من ثلاث فرق متفاوتة في قوتها، وهي تتألف من

1- الملك سعود وما حوله من (ملوك صغار) كما كان يطلق على أبنائه.

2- الأمراء الأحرار، وهي مجموعة من تسعة أمراء تزعمهم الأمير طلال بن عبد العزيز، لعبت على التناقضات بين الشقيقين فيصل وسعود، وأخيراً فريق ولي العهد فيصل مع مناصريه الذين وصل عددهم في أفضل الأحوال إلى 72 أميراً.

كان الشعب السعودي في بداية الخمسينات مفتوناً بمشاريع عبد الناصر الوحدوية وشخصيته، فقد ظهرت عام 1375هـ - 1955 حركة تمرد مؤيدة لمواقف الرئيس المصري في مدينة الطائف، كما ساهم المد القومي واليساري في ظهور مجموعات سياسية مثل حركة نجد الفتاة وحركة تحرير الجزيرة العربية إلى جانب حزب شيوعي صغير هناك.

ولكن الأثر الشعبي البالغ والجاد قد ظهر من خلال حركة عمّالية مطلبية قوية خرجت إلى العلن تحت عنوان اتحاد نقابات العمل في الظهران (مركز النفط السعودي الأبرز حينها)، وقد بلغ عدد العمال المشاركين في التظاهرات ثلاثة عشر ألف عامل، وكان لها نشاطات واسعة النطاق، وكانت الحالة الوحيدة التي شارك فيها عمال محليون وأجانب في الاحتجاج ضد الشركة، والملفت هنا أن هذه الحشود قد تداعت بمناسبة زيارة قام بها الملك سعود إلى تلك المنطقة عام 1373هـ - 1953م

وقد تظاهر هؤلاء وأضربوا مطالبين بساعات عمل محددة، وتحسين الأجور، وإلغاء سياسات التمييز التي تمارسها شركة أرامكو ضدهم، إضافة إلى حقوقهم النقابية والسياسية. ولا شك أن الموجة القومية قد أثرت بهؤلاء العمال، كما خشيت حكومة الرياض من تعاطف القوات المسلحة مع قضيتهم، إذ شارك بعض الجنود في التظاهرات والاعتداء على القنصلية الأمريكية[20].

أحرزت هذه الجماعات بعض التقدم في بداية حكم الملك سعود، حيث اضطرت الشركة إلى إدخال بعض الإصلاحات الضريبية وتحسين ظروف العمل، لكن السلطات السعودية أعربت عن اعتراضها على تلبية المطالب لأسباب اعتبرتها أمنية، وما لبثت أن قامت بقمعها عبر إرسال فرق عسكرية. ويقال إن بداية عهد الملك فيصل قد شهدت اختفاء اثني عشر من قادة العمال النقابيين الذين لم يرهم أحد بعدها[21].

ولكن هذا لم يمنع تشكيل تنظيمات سياسية للعمال والطلبة والمثقفين وصغار التجار والكسبة، تعددت أوجه نشاطها بدءاً من التظاهر إلى التفجيرات التي طالت على سبيل المثال محطة البريد الرئيسية في الرياض ومبنى وزارة الدفاع ومكتب المستشار الأمريكي في الرياض وقصر الأمير عبد الرحمن، وقصر قيادة الأمن في الدمّام وعدد من المراكز العسكرية، وخط التابلاين[22].

عام 1374هـ - 1954 قرر الملك سعود دعوة بعثة مصرية عسكرية لتحل محل المستشارين الأمريكيين، وبعد أشهر قليلة نظمت مجموعة عرفت "بالضباط السعوديون الأحرار" محاولة انقلابية أفشلتها الحكومة السعودية، وفي ربيع عام 1955 أوقف عدد كبير من الضباط الذين حوكموا وأعدموا بعد أن اتضحت خطتهم بخلع الملك واستبدال الملكية بنظام جمهوري.

وفي العام نفسه وقف اثني عشر من ضباط الجيش السعودي إلى جانب قبيلة الرَث جبل قاها شمال شرق جيزان في مطالبها بمزيد من الحقوق الدينية وحالوا دون قصفها بطائرات القوات الجوية. كما يؤكد جوزيف إ. كيشيشيان أن العناصر القومية في الجيش قد استطاعت الصمود بوجه عمليات التطهير المتكررة.

وفي الفترة الممتدة بين 1957-1959 جرى توقيف آلاف من الضباط وإعدام العديد منهم بتهمة التخريب والتمرد، ومع ذلك ازداد عدد العسكريين المنتمين إلى حركة الضباط الأحرار بين عامي 1958-1962 متأثرين بقيام الجمهورية العربية المتحدة، وقد أدى ذلك عام1378هـ- 1958 إلى خروج تظاهرة من الجنود والضباط احتجاجاً على إنهاء خدمات البعثة العسكرية المصرية في المملكة.

ويقول ف. غريغوري غوس 3 F. Gregory Gause III[23] أنه بين الثاني والثامن من تشرين أول/أكتوبر من عام 1962 ( 1382هـ ) انضمت أربع مجموعات من القوات الجوية السعودية إلى مصر محملة بالسلاح للقوات المتمردة في اليمن.

ثم استمر هذا النوع من الحوادث برغم طلب الرياض من واشنطن حراسة المجال الجوي السعودي، حتى توجت في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام باكتشاف محاولة انقلاب عسكري قام بها عدد من طيارين القوات الجوية السعودية ولكنها كانت هذه المرة بقيادة أمراء من الأسرة الحاكمة.

تتوافق كل المراجع على أن النزاع الفعلي على السلطة ما كان ليشمل تلك الحركات الشعبية والنقابية المتواضعة والمهمشة، ذلك أنها لم ترقَ يوماً إلى مستوى العمل المنظم والكفيل بمواجهة أسرة حاكمة بلغ عدد أعضاؤها جذعاً وفروعاً ما يزيد عن عشرة الآف أمير، وقد لا يبالغ أ. جوزيف كيشيشيان حين يقول أنها قد تصل إلى عشرين ألف يتوزعون مع أنسابهم والمؤيدين والمقربين منهم على مختلف مرافق الحياة السياسية والإدارية والتنفيذية والأمنية والاقتصادية في البلد.

لهذا وبرغم كل ما سبق الإشارة إليه من أسباب بقيت النزاعات الجدية والرئيسية على السلطة ضمن إطار المجموعات الملكية الثلاث المذكورة أعلاه، كما أن الأحداث الرئيسة التي شكلت منعطفات هامة في نزاع الأخوة على السلطة يمكن اختصارها بما يلي :

1- سعي الملك سعود إلى تعيين أكبر عدد ممكن من أبنائه في الوزارات الأبرز كما أشرنا سابقاً؛ ما أثار حفيظة بقية أخوته الذين حرموا من حصتهم في السلطة برغم احترامهم لوصية عبد العزيز في عدم المساس بولاية أخيهم سعود على العرش.

2- سعيه للتفرد بأكبر قدر من المناصب والصلاحيات التي شكلت عائقاً أمام ولي العهد شقيقه فيصل الذي عمل بدوره على استقطاب أخوته المستائين من استئثار سعود وأبنائه الملوك الصغار بمقاليد الحكم.

3- موافقة سعود على إجراء مجموعة من الإصلاحات المتعلقة بوضع دستور وتشكيل ما يشبه البرلمان وتعهده بإدخال سلّة من التعديلات الإدارية التي بدت وكأنها تهدد تفرد آل سعود بزمام السلطة، ما أثار مزيداً من سخط الأمراء الفاعلين في الأسرة.

4- قيام الملك بتشكيل حكومة من أحد عشر وزيراً أشرك فيها ولأول مرة ستة وزراء من غير أبناء عبد العزيز. فمع أنهم اعتبروا من ذوي الكفاءة إلا أن كبار الأمراء في العائلة رأوا في ذلك انتقاصاً لما يعتبرونه حقاً لهم في مناصب الدولة.

5- العامل الأخير في إطار التهديدات التي حشدت طاقات أبناء عبد العزيز ضد أخيهم الملك، والذي قد يمكن اعتباره الأهم والأشد خطورة من بين الأسباب التي أطاحت بسعود، ما أشيع عن سعيه لتنصيب ابنه محمد بن سعود وزير الدفاع آنذاك ولياً للعهد وما كاد يعنيه ذلك من استئثاره بملك أبيه وتحويله لأبنائه بدل أشقائه من بعده.

أما تسلسل الأحداث التي أدت إلى عزل الملك سعود وتولي فيصل السلطة فقد بدأت من اجتماع عقده كبار آل سعود في آذار مارس من عام 1378هـ - 1958 اعتبروا فيه أن سعود لم يعد قادراً على القيام بواجباته كحاكم، واتفاقهم على نقل السلطة التنفيذية إلى رئيس مجلس الوزراء ولي العهد فيصل، واحتفاظ سعود بلقب الملك.

يقول الأمير طلال عن تلك المرحلة أن الملك سعود قبل بهذه القرارات حتى العام التالي حين أراد فيصل السفر للقاء نظرائه وزراء الخارجية، ورؤساء الحكومات العرب على هامش اجتماعات هيئة الأمم المتحدة عام 1959، فانتهز الملك سعود تلك الفرصة لاستعادة صلاحياته[24].

ويضيف طلال إن ما عرف بمجموعة الأمراء الأحرار قد انتهزت الفرصة لتعلن أنها ستدعم أي الأخوين الذي يوافق على مطالبها بتأسيس مجلس للشورى ونظام الحكم الأساسي (الدستور) والمجلس العائلي، إلخ. فرفض الطرفين التحدث في هذه المسائل، ما قد يشير إلى أن الشقيقين المتنازعين ما كانا ليؤيدان الإصلاحات المطروحة بقدر إصرار الأول على استعادة صلاحياته وإصرار الثاني على انتزاع السلطة.

ويقول طلال إن كلا الشقيقين حاولا استمالته مع مجموعة الأمراء الأحرار، حتى أن فيصل وعده بتنفيذها وما إن استولى على الحكم حتى تراجع عنها كما يفعل المرشحون للرئاسة حين يقدمون وعوداً كثيرة وعند فوزهم يتخلون عن كثير منها[25].

وهذا ما حصل فعلاً، إذ طرح فيصل حينها ما عرف ببرنامج النقاط العشر للإصلاح الذي كان يتضمن وعداً بوضع الدستور الدائم للبلاد، ومجلساً استشارياً، وتشريع قانون أساسي للحكومة يستقى من القرآن والحديث النبوي وأعمال الخلفاء الراشدين، وتدون فيه تدويناً واضحاً المبادئ الأساسية للحكومة والعلاقة بين الحاكم والحكومة، وتنظيم السلطات المختلفة للدولة والعلاقة بين السلطات، وضمان الحقوق الأساسية للمواطن بما في ذلك حق التعبير الحر عن آرائه ضمن حدود العقيدة الإسلامية والسياسية العامة[26].

أمّا بعد إمساك فيصل بزمام السلطة أصبح تراجعه واضحاً عن كل ما سبق وأعلنه؛ ففي مقابلة خاصة نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية، باريس-24/6/66، ( 1386هـ ) مع الملك فيصل يقول : "دستور؟ لماذا؟ إن القرآن الكريم هو أقدم الدساتير وأعظمها كفاية في العالم، انتخابات وبرلمان؟ بعد التجارب السيئة الحظ التي جرت محاولاتها في البلدان المجاورة، من الأفضل أن ننسى موضوع الانتخابات، صدقني إن الإسلام دين مرن مرونة كافية، وهو بعيد النظر بحيث يضمن سعادة شعبنا".

استطاع فيصل الحكم بصلاحيات مطلقة منذ 11 أيار/مايو من عام 1958 حتى 21 كانون أول/ديسمبر من عام 1960 حين أصبح عاجزاً عن مواجهة مطالب سعود بالعودة إليه في جميع القضايا، فقدم استقالته أملاً في مزيد من الضغط على أشقائه ليعززوا صلاحياته أمام إصرار الملك سعود على استرجاعها.

انتهز سعود الفرصة ودعا أشقاءه في مجموعة الأمراء الأحرار ليشكل وزارة من 11 وزيراً تولى الأمير طلال منهم وزارة المالية والأمير محمد بن عبد العزيز وزيراً للدفاع، والأمير عبد المحسن بن عبد العزيز وزيراً للداخلية، والأمير بدر بن عبد العزيز وزيراً للمواصلات، والأمير فواز بن عبد العزيز أميراً للرياض. وكانت تلك الوزارة الأولى كما ذكرنا التي ضمت ستة وزراء من غير أبناء عبد العزيز.

تشير المراجع المختلفة إلى أن ضغوط الأمراء الأحرار بفرض الإصلاحات قد تفاقمت على الملك سعود وكان من بينها إقفال القاعدة العسكرية الأمريكية في آذار/مارس من عام 1961 بضغط من تأثير الموجة القومية والحركة الناصرية على الشارع السعودي، حيث اتهم طلال بالوقوف وراء إلغاء الاتفاقية الأمريكية السعودية بشأن القاعدة واشتهر بعدها بالأمير الأحمر.

علماً أن إقفال القاعدة بدأ أكثر ارتباطاً بآثار وتبعات التمرد الشعبي الذي وقع في أيار/مايو من عام 1956 حين قام سعود بزيارة لمنشآت أرامكو بالتوافق مع انتهاء مدة عقد الإيجار الأمريكي في قاعدة الظهران؛ فخرجت تظاهرات سعودية تندد بالامبريالية وتعلن الإضرابات المتعاقبة التي استمرت طوال فصل الصيف لتبلغ أشدها مع زيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى الظهران في أيلول/سبتمبر من ذلك العام، حيث لقي ترحيباً عارماً أثار القلق في نفوس حكام الرياض[27].

لم يستقر تحالف سعود مع الأمراء الأحرار طويلاً، ففي 11 أيلول/سبتمبر من عام 1961 صدر قرار ملكي بإقالة الأمير طلال من منصبه كوزير للمالية، فتبعه في ذلك أخوته في مجموعة الأمراء الأحرار الذين قدموا استقالاتهم مغادرين إلى بيروت حيث انتزعت جوازات سفرهم منهم، فانتقلوا من هناك إلى القاهرة حيث قاموا رسمياً بتشكيل ما عرف بحركة الأمراء الأحرار، وما تبعها من تأسيس جبهة سعودية معارضة أوسع أطلق عليها لقب "جبهة التحرير السعودية".

جاءت تلك الوقائع لتبرز عجز الملك سعود عن الإمساك بزمام السلطة بخاصة بعد أزمة عام 1962 والإطاحة بالحكم الوراثي في اليمن والتدخل العسكري للقاهرة في الأحداث هناك، ما اعتبر معضلة تهدد الكيان الملكي السعودي برمته.

يقول جوزيف أ. كيشيشيان في الصفحة 158 من كتابه "الخلافة في العربية السعودية"، أن الدور الذي لعبته مصر في خلع ملك اليمن قد أثار نقاشات حادة في البلاط الملكي السعودي لم يكشف النقاب عنها حتى اليوم، ولكنها انتهت في 17 تشرين أول/أكتوبر من عام 1962 إلى تجريد كبار العائلة في الرياض سعود من السلطة وأوكلوا رئاسة مجلس الوزراء إلى الأمير فيصل.

انتهز ولي العهد تلك الفرصة ليقوم بما يشبه الانقلاب الأبيض على شقيقه، عبر سلسلة من الأعمال التي بدأها بتشكيل حكومة جديدة تكمن مهمتها في تجريده من عناصر القوة التي قد تمكن الملك سعود من استرجاع صلاحياته أو الإطاحة بولي العهد لتعيين ابنه كما بدأ يشاع في تلك الفترة.

استطاع فيصل استثناء أبناء الملك سعود من عضوية حكومته الجديدة، وعين الأمير خالد بن عبد العزيز (الذي أصبح ملكاً من بعده) نائباً لرئيس مجلس الوزراء، ولاحقاً ولياً للعهد. كما أوكل الحقيبتين الوزاريتين الرئيسيتين، الدفاع والداخلية، بالإضافة إلى رئاسة الحرس الوطني، إلى أخوته المقربين سلطان بن عبد العزيز وفهد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد العزيز على التوالي.

أراد فيصل من ذلك تغيير بنية الحكم في الأسرة الحاكمة، فعزز هذه التشكيلة الحكومية بإجراءات يبدو أنها اعتبرت ضرورية لسحب أبسط احتمالات الدعم التي يمكن أن يتلقاها سعود من الداخل أو الخارج، فأمر بصرف المستشارين المصريين الذين كانوا يعملون في الدوائر السعودية مزيلاً بذلك مخاطر تأثير التقارب الناصري النسبي مع الملك سعود في تلك الأثناء.

ثم أنشأ دائرة خاصة تابعة لوزارة الداخلية للإشراف على العمال الأجانب (العرب) ضارباً بذلك ما كاد يمكن اعتباره تهاوناً من سعود مع الأرضية الشعبية والعربية في البلد. كما أعاد تنظيم وتعزيز الأجهزة الأمنية في المملكة لضرب الحركات الشعبية المتنامية وتعزيز حكمه.

وأخيراً حصل على موافقة علماء الدين (الوهابيين) لإدخال البث التلفزيوني في البلد عام 1385هـ - 1965م لما يعنيه ذلك من دعاية وترويج لسياساته وسلطته، وقد أقيمت محطات البث التلفزيوني برغم اعتراض العلماء الشديد، والذي توج بمهاجمة مجموعة من المتشددين كان على رأسهم أمير سعودي تم قتله على يد رجال الأمن، وكان الأمير هو خالد بن مساعد بن عبدالعزيز، شقيق الأمير فيصل بن مساعد الذي قام باغتيال الملك فيصل لاحقاً.

إلا أن هذا كله لم يوقف النزاع على السلطة بين الأخوين، وكان لدى كل منهما ما يكفي من المناصب السياسية ودعم القبائل وتأييد الوحدات العسكرية بما يشكل شبه توازن في موازين القوى بين الطرفين. ثم بدأت المرحلة النهائية من هذا الصراع تتبدى في الأفق مع حلول موعد إحدى لقاءات جامعة الدول العربية، حيث أصر سعود على تمثيل المملكة في تلك القمة.

اعتبرت تلك الخطوة نقطة تحول رئيسية في الصراع على السلطة بين فيصل وسعود، حيث تمت تعبئة وحدات الحرس الملكي والوطني التابعين للملك سعود إلى حسم النزاع نهائياً. وقد حسمت هذه المسألة حينها بأن أذعن فيصل لحل قضى بتولي الملك سعود تمثيل المملكة في اجتماعات الجامعة العربية، مقابل اكتفاء ولي العهد برئاسة الحكومة[28].

أصبح الشحن والشحن المضاد بين الأخوين على أشده مع بداية عام 1384هـ - 1964، وبلغ التوتر حدًا دفع مزيداً من الأخوة إلى الوقوف بجانب فيصل من جهة مقابل إقدام أبناء الملك سعود على تحريض والدهم العلني وعلى الملأ إلى تعزيز سلطته وخلع الأمير فيصل من منصبه.

يبدو أن فيصل كان قد تعلم من تجاربه السابقة مع الملك سعود أن عليه الإمساك بزمام المبادرة وتوجيه الضربة الإستباقية لأخيه قبل أن يقوم هذا الأخير بعزله وتعيين ابنه ولياً للعهد مكانه. وفي آذار/مارس من عام 1964 أمر فيصل قوات قوى الأمن الداخلي التابعة لرئاسة الحكومة، بتوقيف قائد الحرس الملكي الذي كان نصيراً وفياً للملك سعود ، ما أدى إلى إضعاف تلك القوة التي بلغ تعدادها 800 رجل، وتشتت وحداتها بين مؤيد ومعارض، فجرى بذلك القضاء على القوة العسكرية الفاعلة المفترض أن تقف إلى جانب سعود بكاملها.

هنا تتباين المراجع التاريخية بين الحكاية التي أتينا على ذكرها آنفاً للمحامي الشهيدي، من أن الملك قد أرسل وحداته لمحاصرة فيصل في قصره، وحين نزل إليهم قاموا بتأدية التحية خانعين، مما دفع الأمراء لدعوة الملك إلى التنحي، إلخ،… وبين قصة أخرى تقول عكس ذلك تقريباً، ولكنها أكثر منطقية وانسجاماً مع تسلسل الأحداث.

حين استطاع فيصل وأخوته تجريد الملك من مصدر قوته العسكرية أو قدرته الوحيدة على المقاومة، والكامنة في عزل قائد حرسه الملكي، قاموا بإرسال وحدات عسكرية تحاصر قصره، ثم دعوا إلى عقد اجتماع لمجلس الأسرة والذي تألف من 71 من الأمراء النافذين في الدولة، ليصدر قراراً بعزل الملك وانتقال العرش رسمياً من سعود إلى شقيقه فيصل. وهذا ما حصل فعلاً في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1964. ( 1384هـ )

ويقول المؤرخ صلاح سالم زرتوقة في كتابه[29]. أن خلع الملك سعود قد تم بوضعه أمام خيارات ثلاثة، إمّا القبول بعزله، أو اقتياده إلى السجن، أو نفيه إلى خارج البلاد. فما كان من سعود إلا أن رضخ للتهديد وانصاع لقرار أخونه ، ثم غادر البلاد ليتبعه الملوك الصغار من أبنائه.

من الواضح أن الصراع على السلطة لم ينته بعزل الملك سعود ورحيله عن بلاده، إذ إن هذا قد توجه بعد ذلك إلى مصر، تبعه بعد ذلك عدد من أبنائه، كان من بينهم خالد ومنصور وبندر وسلطان، حيث منحهم الرئيس جمال عبد الناصر كل التسهيلات اللازمة لتشكيل معارضة قوية من هناك، بما في ذلك مساحة بث عبر إذاعة القاهرة باتجاه المملكة.

جاء رد فيصل على ذلك بالعمل على إضعاف محاولات سعود اليائسة عبر استعادة أخوته "الأمراء الأحرار" إلى الوطن كي لا يشكلوا تحالفاً واسعاً مع سعود في الخارج، كما أرضى بعضهم بمناصب من المرتبة الثانية في حكومته. فعين بدراً نائباً لقائد الحرس الوطني 1385هـ - 1965 ونوافاً مستشاراً للملك عام1388هـ - 1968، وفوازاً أميراً لمكة المكرمة عام 1391هـ - 1971 وعبد المحسن أميراً للمدينة المنورة عام 1395هـ - 1975م .

امتدت محاولات سعود لاستعادة عرشه من عام 1964 حتى نكسة عام 1967، حين راجعت مصر سياستها في الخليج وأوقفت تدخلها في اليمن وفقد الملك سعود دعم القاهرة فغادر مصر متوجهاً إلى اليونان حيث عاش حتى وفاته عام 1389هـ - 1969.

أمّا على الصعيد الداخلي فقد سعى فيصل إلى تعزيز حكمه باختيار ولي عهد لا ينافسه على الصلاحيات والحكم فيكرر التاريخ نفسه كما حصل بينه وبين سعود؛ نجح فيصل في اختيار ولي عهد عرف بمرضه في القلب وعدم اهتمامه بالسياسة والحكم، وانكبابه على هواياته في رحلات الصيد الطويلة في قلب الصحراء، فقام بتعيين نائب رئيس وزرائه السابق وأخوه الوفي خالد بن عبد العزيز ولياً للعهد.

ومع ذلك نجد أنه من أبرز ما ركزت عليه المساحة الإذاعية في القاهرة والصحف المصرية عموماً في تلك الفترة مسألة تفجر النزاعات العائلية على السلطة بين عامي ( 1386هـ - 1387هـ ) 1966 -1967 حين قام فهد، وزير الداخلية حينها، بدعم من شقيقيه الأمير سلمان (أمير منطقة الرياض/سديري) والأمير سلطان (وزير الدفاع/سديري) حاول استبدال الأمير عبد الله بن عبدالعزيز كقائد للحرس الوطني، لكنه اصطدم بمعارضة كل من فيصل وولي العهد خالد.

يعتبر جوزيف أ. كيشيشيان من أهم المراجع المتعلقة بهذه الحقبة الغامضة إذ يعتمد كما سبق وأشرنا على إجراء مقابلات مطولة مع عدد كبير من أمراء الأسرة المالكة هناك، وهو يقول[30] أن محاولات عزل الأمير عبد الله لم تتوقف، فمع بداية ( التسعينيات الهجرية ) السبعينات طالب الأمراء من فرع السديري مجدداً بتخلي الأمير عبد الله (الملك الحالي) عن قيادة الحرس الوطني.

بينما عملت رموزهم على تعزيز مواقعها العسكرية كما فعل وزير الدفاع الأمير سلطان بن عبد العزيز (ولي العهد الحالي) على تطوير صفوف القوات المسلحة، بينما قام شقيقه وزير الداخلية(السديري أيضاً) الأمير نايف بن عبد العزيز بتعزيز وتطوير الأجهزة الأمنية في وزارته.

من الواضح أن تفجر الخلافات في أوساط العائلة، كان يستهدف بشكل أساسي العمل على تخلي الأمير عبد الله عن قيادة الحرس الوطني، وبالتالي عزله وتنحيته جانباً. وقد يساعدنا على فهم السبب الكامن في مقارعة الأشقاء (السديريين) لقائد قوات الحرس الوطني (الشُمّري) وإصرارهم على تنحيته وعزله منذ تلك الفترة أن ندرك بأن عبد الله يكبر سلطان بعام واحد فقط، إذ ولد عبد الله عام 1923 بينما ولد سلطان عام 1924. ما يعني أنه لو أمكن إزاحة عبد الله عن قيادة الحرس الوطني، لضعفت مكانته السياسية وأصبح لسلطان الحق بأن يكون ولي عهد لفهد وأن يتولى الحكم من بعده.

ولم تتوقف المحاولات عند هذا الحد بل بلغت مستوى توسيع التحالف بين الأشقاء السديريين في سعيهم المباشر لعزل الأمير عبد الله، ففي شباط/فبراير من عام 1977 - 1397هـ وحين غادر الملك خالد إلى لندن بشكل طارئ لتلقي العلاج هناك، قام الأمير فهد (ولي العهد حينها) بدعم من أشقائه وحلفائه بمطالبة الأمير عبد الله بالتخلي عن قيادة الحرس الوطني رسمياً.

ولكن يبدو أن التاريخ أعاد نفسه هذه المرة، فعندما حاول سعود تعيين ابنه ولياً للعهد مثيراً بذلك تحالف أخوته مع فيصل حفاظاً على حقهم في توارث السلطة، وقد تجسدت مخاوف بقية الأخوة من استئثار الأشقاء السديريين بالحكم، فوقف أخوهم الأكبر محمد ( أبوشرين ) إلى جانب عبد الله بدعم من بقية أخوته النافذين والمتضررين من التحالف السديري، وحالوا دون عزله.

هذا ما سنأتي على قراءته ومحاولة التعمق في وقائعه عبر بعض من جوانب الفصل الأخير من هذا البحث، علًّه يساعدنا في استشراف ما أمكن من الآفاق المتعلقة بعلاقة النزاعات الأسرية الداخلية باغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز .

"كنت في بيت طيني قديم، مثل بيت جدي الذي عشت فيه عندما كنت صبياً في الرياض، وكنت في جناح النساء. فتحت باباً، وهناك في إحدى الغرف رأيت جدتي، وأم جدتي التي أستطيع أن أتذكرها، وكذلك نورة، عمتي التي تزوجت سعود الكبير، ومع أنني أعلم أنهن جميعاً في عداد الأموات، فإنني لم أدهش لرؤيتهن جالسات معاً يتجاذبن أطراف الحديث هناك. ولكن كانت هناك امرأة أخرى جالسة معهن ولم أعرفها، مع أنها كانت تتحدث إليهن وكأنها كانت صديقة حميمة، بل وحتى من أفراد العائلة، فإنني لم أعرف من كانت.

بقيت عند الباب، بعيداً عن الغريبة إلى أن لمحتني جدتي فنهضت لتدخلني إلى الغرفة، ثم ابتسمت وقالت : "ما بك يا فيصل؟ لا تكن خجولاً. تعال!! تعال وألق التحية على طرفة. ألا تعرف أمك؟ لقد حان الوقت لتقابلها الآن". وفجأة شعرت بالخوف يتملكني…".
يشاع في بعض الأوساط السعودية أن الملك فيصل أسرّ بهذا الحلم لإحدى عماته في بداية كانون الثاني/يناير من عام 1975، ثم جاءها في نهاية الشهر ذاته أي قبل أسابيع من اغتياله يسرد عليها حلماً آخر فقال :

"كنت واقفاً في الصحراء عندما اقتربت سيارة مني، كانت مكشوفة ومن النوع القديم، وقد جلس فيها جدي الإمام عبد الرحمن، ووالدي عبد العزيز وأخي الأكبر تركي الذي توفي عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري، وعمي سعد الذي قُتل في معركة مع العجمان. كانوا كلهم في السيارة معاً، وعندما رأوني توقفوا ولوحوا لي بأيديهم.

قال والدي : تعال معنا في السيارة يا فيصل.. وخرج ليأخذ بيدي. شعرت بسرور غامر لرؤية أفراد عائلتي الذين توفوا قبل مدة طويلة وخطوت خطوة نحوهم. عندها شعرت بخوف فظيع. أردت أن أستدير وأهرب، ولكن والدي أمسك بيدي، قاومت فشدّني إليه، قاومت أكثر، فخرج الآخرون من السيارة ليساعدوه. معاً جروني إلى الداخل عنوة، وسرعان ما أقفل الباب وتحركت بنا السيارة…".

أسرّ الملك فيصل بهذين الحلمين لعمته في كانون الثاني/يناير 1975، وقال لها إنه لا يستطيع أن يستمد إلا استنتاجاً واحداً منهما : أنه ليس من المقدر له أن يعيش أكثر من بقية السنة.

كان هذا هو الاستنتاج الأهم الذي خرج به فيصل من هذين الحلمين، وقد يبدو أن ما شاهد فيهما من شخصيات تشير إلى أهمية رموز السلطة في عقله الباطني الحالم، إذ شاهد في الحلم الأول والدته وجدته وأم جدته، أي أنه رأى طرفة ابنة عبد الله وأمها زوجة عبد اللطيف وجدتها زوجة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، وجميعهن من سلالة محمد عبد الوهاب التي لعبت مصاهرة أمراء آل سعود معهم دوراً هاماً في تعزيز مكانة سلطتهم.

كما كانت من بينهن عمته نورة ، زوجة سعود الكبير المفترض أن تكون لأبنائه السلطة من بعده لولا انتزاع عبد العزيز لهذا الحق وتوارث السلطة بين أبنائه فتسلمها فيصل عنوة من أخيه سعود كما فعل عبد العزيز من قبله بإخوانه، حين استعان بكل ما لديه من وحدات مسلحة للقضاء على معارضة أبناء عمومته، الذين وقفوا وراء انتفاضات وحركات تمرد مسلحة خطيرة حصلت في قبيلتي عجمان والحساسنة عام 1908 وقتل من قادتهم ثمانية عشر قائداً، كما يشير هذا البحث.

أمّا الشخصيات التي رآها في حلمه الثاني فهي جده عبد الرحمن الذي أورث الحكم لوالده عبد العزيز وشقيقه الأكبر تركي الذي كان يفترض أن يتولى الحكم من بعد أبيه لولا موته وهو في الثالثة عشرة من عمره، فجاء دور أخيه سعود الذي دبر فيصل عملية انتزاع السلطة منه بالتحالف مع أخوه. ويبدو أن حضور عمه في الحلم الثاني شبيه بحضور عمته في الحلم الأول، فهذا هو سعد يذكرنا بأن الأسرة حاربت إلى جانب عبد العزيز ونالت حصة من غنائم السلطة وبقيت جزءاً من هواجس ورثتها، فيخرجون لهم حتى في الأحلام.

والمثير في الحلم الأخير أن رموز توارث السلطة في الدولة السعودية الثالثة قد ترجلت من السيارة جميعاً وتعاونت فيما بينها على إدخال فيصل في السيارة حتى يساق معها، وكأنها مجموعة من أفراد الأسرة الحاكمة تتحالف فيما بينها لتنحيته عن العرش وإرساله إلى عالم آخر، الحكم فيه والكرسي والعرش لواحد أحد. أما وسيلة النقل التي استعملت في الحلم فلم تكن قافلة جمال أو بعضاً من بهيمة الأنعام، بل هي سيارة قديمة مكشوفة، لا شك أنها من صنع بريطانيا أو ربما وريثتها الأمريكية في المنطقة، فهل يرمز ذلك إلى ما قدمته الدول العظمى من وسائلها الحديثة وأدواتها مساهمة منها في تسهيل انتقال الملك إلى الرفيق الأعلى؟

أ - اغتيال فيصل، بين الرواية الرسمية والدوافع الذاتية

لو فتحنا أي من المواقع السعودية شبه الرسمية المنتشرة على شبكة الإنترنت لقرأنا فيها ما كتب عن اغتيال الملك فيصل ووجدنا أنها تجمع في غالبيتها العظمى على رواية مشتركة وكأنها استخرجت من مصدر مشترك، نستطيع القول إنها مصادر رسمية، دون الحاجة إلى الخوض في التمحص والتحليل؛ وهي تسرد القصة في أفضل أشكالها المعتدلة على النحو التالي :

"كان فيصل بن مساعد الأخ الأصغر لخالد بن مساعد، الأمير الذي قتل قبل عشر سنوات من ذلك بعد الهجوم على محطة تلفزيون الرياض، وقد شارك فيصل بن مساعد أخاه حالاته النفسية وأمزجته المتقلبة. إذ انتقل من كلية إلى أخرى في أميركا، ودخّن الحشيش في جامعة باركلي وقبض عليه حاملاً مخدرات في كولورادو واشتبك في شجار واحد على الأقل في أحد البارات مع صديق له. وقد اضطرت وزارة الخارجية الأميركية بذل جهود مضنية لإبقاء الأمير خارج المحاكم. وعندما عاد فيصل بن مساعد إلى بلاده، أمر عمه الملك بإبقائه داخل المملكة لفترة من الزمن. فقد لطخ سمعة العائلة بأفعاله في الخارج، وقال البعض إن هذا الحظر على سفره كان السبب في غضب الأمير الشاب. وقال آخرون إن الدافع كان الانتقام لمقتل أخيه خالد.

مساء الإثنين 12 / 3 / 1395هـ - 24 مارس [آذار] 1975



جلس الأمير فيصل بن مساعد يشرب الويسكي مع واحد من إخوته، بندر وبعض الأصدقاء، وكانت تلك ليلة اعتيادية مع قارورة شراب للتغلب على سأم الليل، كما يفعل عدد من سكان المملكة يزيد عما يعترفون به. وقد استمر السهر والشرب بالنسبة إلى بندر بن مساعد وأصدقائه حتى الساعة السادسة من صباح اليوم التالي ـ مشاهدة تلفزيون، وشرب ويسكي، ولعب ورق، وشرب ويسكي، وأكل قليل من الطعام، وشرب قليل من الويسكي مرة أخرى حتى كان الجميع ممتدين بُعيد الفجر على الأرائك في جنبات الغرفة. لم تكن حفلة بقدر مما كانت طريقة لصرف الليل لأناس كان النهار حتى أقل عطاء لهم.



ولكن كانت لدى فيصل بن مساعد خطط للنهار القادم، وقد شرب الشيء القليل. ذهب إلى حجرته قبل منتصف الليل، وفي الصباح التالي كان في حوالي الساعة العاشرة صباحًا في قصر عمه الملك ينتظر في الغرفة المجاورة للمكتب الملكي. وكان هناك وفد من الكويت جاء ليناقش موضوع النفط، وكان وزير النفط أحمد زكي يماني قد دخل قبلهم ليطلع الملك على الأمر قبل الاجتماع.

دهش أحمد عبد الوهاب، رئيس البروتوكول للملك فيصل، بوصول الأمير الشاب، الذي لم يعرفه. إذ كانت الاجتماعات العائلية تعقد عادة في منزل فيصل وليس خلال ساعات العمل، وقد دخل عبد الوهاب مع يماني ليعرف ماذا يريد أن يفعل بالنسبة إلى ابن أخيه. في هذه الأثناء اكتشف فيصل بن مساعد أنه يعرف أحد أعضاء الوفد الكويتي، عبد المطلب القاسمي، وزير النفط الشاب، الذي كان قد التقى به خلال إقامته القصيرة في كولورادو، وعندما فتح الباب للترحيب بالكويتيين، دخل الأمير الشاب معهم.

شاهد أحمد زكي يماني، وأحمد عبد الوهاب وفريق تلفزيون كان يصور استقبال الملك لوفد النفط ما حدث بعدئذ وأرعبهم ما شاهدوا. فعندما تقدم الملك فيصل إلى الأمام ليعانق ابن أخيه ويقبله، سحب الأمير الشاب مسدساً صغيراً من جيب ثوبه وأطلق ثلاث رصاصات على الملك فيصل. أصابت الرصاصة الأولى ما تحت ذقنه، ودخلت الثانية عبر أذنيه، ومشحت الثالثة جبهته. ونقل الملك فيصل على عجل إلى المستشفى وهو لا يزال حياً وأسعف بكميات دم كبيرة بينما دلّك الأطباء قلبه. ولكن الشريان الرئيسي في رقبته كان قد مزق فتوفي الملك في غضون ساعة. (انتهى النص المقتبس).

يجمع الشهود من أفراد عائلة فيصل، وتحديداً أبناؤه والمقربون منه، أن الملك أخذ في تلك الفترة يعزل نفسه عنهم. وقد أخذ يذهب إلى المكتب في موعد أبكر، ويبقى فيه لمدة أطول، ويشتغل في أيام العطلة ولا يخلد إلى الراحة. وحتى عندما كان يجلس مع زوجته وأبنائه، كان يبدو وكأنه في عالم آخر، غارقاً في كآبة شديدة لا يمكن اقتحامها.

بقي فيصل على هذا النحو حتى صبيحة الخامس والعشرين من آذار مارس من عام 1975 حين وافته المنية على يد أحد أفراد أسرته، إذ باغته ابن أخيه الأمير فيصل بن مساعد بإطلاق الرصاص عليه من مسدس كان يحمله وذلك أثناء تواجده في مقره الدائم والمعتاد.

صدر أول تعبير عن الرواية الرسمية لهذا الحدث عبر بيان بثته إذاعة الرياض في تمام الثانية عشرة من ظهر الخامس والعشرين من آذار/مارس وهو يقول :





"بينما كان جلالة الملك فيصل المعظم يقوم بأعماله الرسمية هذا الصباح، نهض من مجلسه الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز، إبن أخ جلالته متظاهراً بالسلام عليه، وعندما اقترب منه، أطلق الرصاص على جلالته عدة مرات فأصابه بجراح".

ثم تابع البيان :…"ومما تجدر الإشارة إليه أن المذكور مختل الشعور، وقام بما قام به منفرداً وليس لأحد علاقة بما أقدم عليه. وقد نقل جلالة الملك فيصل حفظه الله إلى مستشفى الرياض المركزي، والعلاج مستمر لجلالته. منّ الله على جلالته بلباس الصحة والعافية، وطمأن شعبه الوفي ليراه قريباً بصحة وسلام".

ثم جاء البيان الثاني في تمام الواحدة وعشر دقائق بعد الظهر، حين قطعت إذاعة الرياض إرسالها لتذيع بياناً صادراً عن الديوان الملكي يقول :



"ببالغ الأسى والحزن، ينعي الديوان الملكي، باسم صاحب السمو ولي العهد، وكافة أفراد الأسرة، ونيابة عن الأمة، حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم، حيث وافاه الأجل المحتوم متأثراً بجراحه، إثر الاعتداء الأثيم الذي قام به الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز المعروف باختلاله العقلي، على جلالته".

وتابع البيان :…"فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.. تغمّد الله جلالته بواسع رحمته وغفرانه، وأسكنه فسيح جناته، وخلفه في هذه الأمة بتمسكها بعري دينها القويم، وحفظها به، وجزاه الله عن الإسلام وهذه الأمة وأمة الإسلام عامة خير جزاء".

بعد أربعين دقيقة، وفي تمام الثانية إلا عشر دقائق صدر عن الديوان الملكي البيان التالي : "تقرر إقامة الصلاة على حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل المعظم غداً الأربعاء، بعد إقامة صلاة العصر مباشرة في جامع الرياض الكبير. تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته. إنه سميع مجيب، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون".

وبعد ذلك بنصف ساعة وفي تمام الساعة الثانية والثلث صدر البيان الرابع والأخير عن الديوان الملكي ليقول : "قام أفراد الأسرة وفي مقدمتهم، أولاً/ صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد الرحمن. ثانياً/ الأمير محمد بن عبد العزيز. ثالثاً/ الأمير ناصر بن عبد العزيز. ثالثاً/ الأمير سعد بن عبد العزيز. خامساً/ الأمير فهد بن عبد العزيز. قاموا بمبايعة ولي العهد الأمير خالد بن عبد العزيز ملكاً على البلاد".

ثم تابع بيان الديوان الملكي قائلاً :.."وبعد إتمام البيعة أعلن صاحب الجلالة الملك خالد بن عبد العزيز ترشيح صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولياً للعهد. وقد أجمع أفراد الأسرة على ذلك وقاموا بمبايعة سموه".

يختتم البيان بالقول :.."لقد تقرر أن يقوم المواطنون بالبيعة لجلالة الملك خالد المعظم، ولسمو ولي العهد الأمير فهد بن عبد العزيز في قصر الحكم في الرياض غداً الأربعاء، ابتداء من الساعة العاشرة صباحاً.

تتأكد الرواية الرسمية السعودية المعلنة عبر وسائل الإعلام المحلية عبر تصريحات أدلى بها جلالة الملك خالد بن عبد العزيز نشرتها صحيفتي اللواء والأنوار اللبنانيتين في 27 آذار/مارس 1975 وهي تقول : أبلغ الملك خالد بن عبد العزيز رؤساء الدول الذين قدموا إلى الرياض أمس، للاشتراك في تشييع الملك الراحل، تفاصيل وقوع الجريمة.

وتتوافق الصحيفتين على القول : وصف الملك خالد والدموع تترقرق من عينيه كيف غادر الشيخ أحمد زكي اليماني، وزير النفط السعودي، والسيد عبد المطلب الكاظمي، وزير النفط الكويتي، الديوان أيضاً قبل أن يتقدم الأمير فيصل بن مساعد كمن يريد أن يصافح الملك فيصلاً، وعندما مد الملك فيصل يده لمصافحة الأمير فيصل، سحب القاتل مسدسه وأطلق النار، وقتل الملك فيصل فوراً برصاصة في رقبته ورأسه.

جريدة البيرق اللبنانية اعتمدت فيما أوردته صبيحة السابع والعشرين من آذار مارس من عام 1975 على أقوال مراسلها الخاص الذي رافق الوفد اللبناني الرسمي المشارك في التشييع والتعزية والذي تألف من رئيس الوزراء اللبناني السابق رشيد الصلح وضمّ رئيسي الجمهورية الأسبقين كميل شمعون وشارل حلو إلى جانب شخصيات أخرى.

كتب مراسل البيرق أن الرئيس كميل شمعون نقل عن لسان الملك خالد قصة تختلف عما أوردته صحيفتي الأنوار واللواء إذ يقول :



إن الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز قد دخل الديوان الملكي سراً وخلسة وراء بعض المصورين، ولدى وصوله إلى أمام الملك فيصل، فتح النار فوراً وأطلق ست رصاصات سقط على أثرها الملك مضرجاً بالدماء، واعتقل الجاني بعدما أغلقت الأبواب حتى لا يشيع النبأ وتقع بلبلة. ولم يقل الملك فيصل سوى بضع كلمات سأل فيها عن هوية القاتل. وأضاف الملك خالد إن الحادث قد وقع في الساعة العاشرة والنصف من قبل الظهر.

نلاحظ هنا اختلافاً كبيراً بين رواية بيان الديوان الملكي الذي قال : بينما كان جلالة الملك فيصل المعظم يقوم بأعماله الرسمية هذا الصباح، نهض من مجلسه الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز، ابن أخ جلالته متظاهراً بالسلام عليه،إلخ، وما ورد على لسان الملك خالد بن عبد العزيز في الصحف اللبنانية من أن الأمير فيصل قد دخل القصر متسللاً خلسة.

ثم تكررت معلومة التسلل خلسة من جديد على لسان الملك خالد أمام الوفد البرلماني اللبناني الذي ترأسه كامل الأسعد رئيس مجلس النواب، حيث قال، وفق الرواية التي نشرت في صحيفة المحرر اللبنانية في 28-3-1975، أنه التقى بالملك الجديد الذي روى له قصة ما حدث أمام أعضاء الوفد فقال : كان كل شيء طبيعياً، وكان الملك فيصل ينتظر دخول وزير كويتي إلى ديوانه في زيارة رسمية، وقبل دخول الوزير سبقه مصورو الصحف، وإذا بالأمير المجرم فيصل يتسلل مع المصورين إلى ديوان الملك حيث تقدم منه مصافحاً، وعندما هم بتقبيل يده سحب الملك فيصل يده، وبلحظة سحب المجرم مسدسه وأطلق منه عيارين ناريين أصاب أحدهما رأس الملك.

وتابع الملك خالد روايته، وفق صحيفة المحرر بالقول : في هذه اللحظة كان الجميع قد أصبحوا في الديوان بما فيهم الوزير الكويتي، إلخ. وعندما خر الملك فيصل صريعاً على الأرض، كان أحد الموجودين يرمي على الأمير المجرم عباءته، وكان لا يزال حاملاً مسدسه. وتولى آخرون نقل الملك إلى المستشفى. ولكنه فارق الحياة قبل الوصول إليه. ويختتم الملك روايته بالقول : ولدى وصولنا إليه (في القصر) قيل لنا بأن الملك قد أصيب ونقل إلى المستشفى، وتوجهت إلى هناك حيث أبلغت بنبأ وفاته.

في التاسع والعشرين من آذار/مارس 1975 نشرت صحيفة الجمهورية مزيداً من التفاصيل الرسمية المتعلقة بالجريمة، فكتبت تقول : روى الملك خالد بن عبد العزيز "ملك المملكة العربية السعودية" الجديد، ظروف اغتيال أخيه الملك فيصل في أول حديث له، وقال الملك خالد : "إن الأمير فيصل دخل مكتب رئيس البروتوكول وجلس عبد المطلب الكاظمي وزير النفط الكويتي والشيخ أحمد زكي اليماني وزير النفط السعودي، اللذين كانا ينتظران مقابلة الملك.. وأذن الملك فيصل بدخول الوزيرين، فانتهز القاتل الفرصة ودخل مكتب الملك مع الوزيرين والمصورين.. وتقدم مباشرة في اتجاه الملك فيصل وكأنه يريد تحيته، وتوفي الملك في نفس لحظة إطلاق النار.

ثم تابعت الصحيفة المصرية في جانب آخر منها :… وتمكن أحد الحراس والوزراء والمصورون من السيطرة على القاتل. وقال الملك خالد أنه كان في قصره في ذلك الوقت يحتسي الشاي عندما دق جرس الهاتف ، بينما كان يرفع قدح الشاي بيده، فسمع من يقول له أن أعيرة نارية قد أطلقت في مكتب الملك، فأخذ بندقيته الرشاشة وهرع مع رجال الحرس إلى القصر الملكي.

ويضيف الملك خالد حسب صحيفة الجمهورية : طلبت من حراسي أن يظلوا في الخارج، ودخلت إلى المكتب، والواقع أن ما شاهدته أثار اضطراباً عنيفاً في نفسي، لدرجة أنه كان من المتعذر أن أسيطر على نفسي، وتابع الملك مشيراً بوضوح إلى الأنباء التي نشرتها الصحف وجاء فيها أن الملك قد توجه إلى الله ببضع كلمات، قائلاً إن كافة الروايات الأخرى غير صحيحة.

ثم أخذت تفاصيل القصة الرسمية تكتمل مع مرور الأيام والأسابيع، ففي العاشر من نيسان/أبريل من عام 1975 نشرت صحيفة الأنوار الصادرة عن دار الصياد اللبنانية مقابلة أجريت مع أحمد عبد الوهاب رئيس التشريفات في القصر الملكي قال فيها : في كل يوم يجلس الملك في الصالون للقاء العام.. في هذا اليوم بالذات دخل مكتبه ولم يجلس في الصالون، ودخلت لأعلن لجلالته عن وصول الوزير الكويتي عبد المطلب الكاظمي مع أحمد زكي اليماني للسلام..

وتابع أحمد عبد الوهاب حسب الجمهورية : والأمير فيصل بن مساعد. (الأمير فيصل بن مساعد كان زميلاً للكاظمي في الجامعة بأمريكا وكان يتحدث إليه بانتظار الملك) ولعل هذه الصلة، مع مركز الأمير هي التي سمحت بالتغاضي عن العرف الذي يمنع وجود غريب في أثناء اجتماع الملك بضيوف رسميين. ثم يمضي فيقول : المهم تركيز التاريخ في الثواني التالية : الملك يخرج من باب المكتب ويدخل الصالون وهو يكمل كلامه مع أحمد عبد الوهاب قائلاً بتواضعه "أمرك يا سيد" تعقيباً على كلامه من المكتب إلى الصالون.

وتابعت الصحيفة وصف المشهد بالقول : الجميع وقوف، أجهزة التلفزيون تدور، عبد المطلب واليماني يتقدمان، عبد المطلب يصافح الملك. أحمد عبد الوهاب يلتفت ليقدم الوزير. يتقدم القاتل ويمد الملك يده ليصافحه، فيقبض القاتل على يد الملك اليمنى ويخرج مسدساً من عباءته ويطلق ثلاث رصاصات بيده اليسرى فيصاب الملك برصاصتين. كل هذا حدث في ثوان جعلت الأحداث تختلط حتى تصور بعض الموجودين أن الملك قال "أمرك يا سيد" بعد أن أصيب.

علماً أن جريدة اللواء البيروتية كانت قد نشرت في 27-3-75 نقلاً عن الملك خالد تقول : ألقى الملك برأسه إلى الوراء عقب إصابته وتوجه إلى الله بصوت عال (أمرك) ثم انكفأ على مقعده محتفظاً بابتسامته الصافية.

انفردت جريدة الأهرام بعبارة مختلفة نقلت عن الملك فيصل قبل موته تثير من خلالها كثيراً من التساؤلات حول مرتكب الجريمة ومن يقف خلفه والأسباب التي دفعته لارتكاب جريمته؛ فقد نشرت الصحيفة المصرية المعروفة في 27-3-1975 أن الملك فيصلاً قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة قال وهو يعني قاتله :



"ارحموه إنني لا أكن كراهية له، إنني أودع المملكة أمانة في أيديكم، احذروا الصدامات والأعداء. حافظوا على وحدة الصفوف. أما بالنسبة لي فإنني أشعر بأنني سأموت ولن أشفى من جروحي".

لماذا طلب الملك الرحمة لقاتله؟ هل كان يعلم بأسباب قتله؟ هل هو انتقام ندم عليه الملك مدركاً أن وقته قد حان؟ ولماذا حذر أخوته من الأعداء؟ ومن كان يقصد بالأعداء؟ هل قصد عدواً خارجياً محدداً تربص به لاغتياله؟ ولماذا دعا إلى وحدة الصفوف وعدم الصدامات؟ هل رأى الملك فيصل في موته عملية داخلية مدبرة؟ هذا ما سنحاول قراءته بين سطور الرواية السعودية الرسمية.

رغم التضارب الطفيف بين ما أوردته الصحف على اختلاف وجهاتها إلا أن أياً منها لم يخرج في تلك المرحلة عن إطار الإعلان الرسمي الذي قال باختصار أن ابن أخ الملك قد أطلق النار عليه في القصر، وأن القاتل مصاب بعقله أو مختل الشعور، وبالتالي فلا أحد ولا أسباب أخرى تقف وراء تلك الجريمة سوى عدم اعتداد القاتل بكامل قواه العقلية.

ويبدو أن معلومات قد تسربت إلى عدد من الصحف اللبنانية في تلك الفترة لدعم وجهة النظر الرسمية المتعلقة بهلوسة القاتل وجنونه، فتحدث بعضها عن إدمان الأمير فيصل بعض من عقاقير الهلوسة في أمريكا، بل وأن الأمر بلغ به حد الإتجار بالمخدرات، وأنه تعرض خلال فترات متعاقبة للعلاج من الإدمان في كل من مشافي لبنان والسعودية وفرنسا.

نشرت صحيفة الأنوار اللبنانية بتاريخ 26-3-1975 خبراً مفاده أن "رسميين في جامعة كولورادو الأمريكية قالوا إن فيصلاً بن مساعد اعتقل في بولبار عام 1390هـ - 1970 بتهمة الإعداد لترويج مخدر الهلوسة LSD، وأشارت ملفات الجامعة إلى أن فيصلاً اعتقل، ولكن السلطات اضطرت إلى صرف النظر عن القضية نظراً إلى المشاكل التي قد تنجم عنها.

ثم عززت صحيفة المحرر البيروتية هذه المعلومات بخبر نشرته في 27-3-1975، وتنسب فيه إلى المدعي العام في مقاطعة بولدر قوله : إن السجلات تفيد أن الأمير فيصلاً اعتقل في 30-9-1969 بتهمة توزيع مخدرات خطرة، والاشتراك في توزيع مخدرات خطرة. وأن الأمير لم يعترض على تهمة الاشتراك في التوزيع بينما أسقطت عنه التهمة الأخرى، وظل تحت المراقبة من 17 تموز/يوليو 1970 حتى 19 نيسان/أبريل 1971. وقال المدعي العام أن تهمة المخدرات اشتملت على حيازة 22 حبة من مادة LSD وبعض الحشيش.

تُستكمل هذه الفكرة بخبر نشرته صحيفة النهار اللبنانية في 26-3-1975 ونسبته إلى مصادر دبلوماسية بعضها على اتصال بالأوساط السعودية مفاده : المعروف عن الأمير فيصل أنه مدمن مخدرات، وقد عولج في السعودية مرات، ثم عولج في لبنان فترة من الزمن كما عولج في باريس.

كما تحدثت الصحف في تلك الفترة عن معاناة القاتل من اضطرابات عقلية أو ما يشبه الجنون المتوارث مستقية معلوماتها من مصادر شبه رسمية كتلك التي وردت في مقابلة نشرت في العاشر من نيسان/أبريل من عام 1975 في صحيفة الأنوار الصادرة عن دار الصياد اللبنانية مع أحمد عبد الوهاب رئيس التشريفات في القصر الملكي والتي قال فيها أنه عندما كان يأتي الأمير مساعد، والد الأمير فيصل لزيارة جلالته كان المغفور له الملك فيصل يصر على بقاء أحمد عبد الوهاب إلى جانبه كي لا يختلي بأخيه على انفراد.

وسرعان ما تناقلت الصحف العربية هذه الأنباء مضيفة عناصر أخرى كتلك التي أوردتها صحيفة الأهرام المصرية في 26-3-1975 حيث روت أن الأمير مساعد بن عبد العزيز : جاء إلى القاهرة مرة على طائرة وهو يلبس ملابس المارشال العسكرية، ويحمل على صدره العديد من النياشين والأوسمة المصنوعة من الذهب الخالص، ووقف على باب الطائرة وهو يضع عصا المارشالية تحت إبطه، وأخذ يسأل أين حرس الله الذي يستقبلني؟ وأدى ذلك إلى إبلاغ سلطات المطار بوصول شخصية عسكرية كبيرة، ثم اكتشف أنه الأمير مساعد بن عبد العزيز.

وتضيف الأهرام في جانب آخر : وفي جدة قام بمحاولة أخرى وقتل أحد الأشخاص ووضع في السجن بأمر من الملك بعد محاكمة عاجلة. وهو الآن محدد الإقامة في قصره، وكثيراً ما وضع تحت إشراف الأطباء لعلاجه من مرض الأعصاب.

علماً أن المراجع السعودية نفسها وفي مقالات مختلفة نشرت على شبكة الإنترنت، تجمع على وصف الأمير مساعد بن عبد العزيز بشخصية متقلبة الطباع، وتقول إن هذا التقلب كثيراً ما يميّز الشعراء جميعاً، وقد عرف عن مساعد بأنه الشاعر الوحيد بين أبناء عبد العزيز حيث وصف شعره بالرقة البالغة. كما عرف أنه فقد البصر وأصبح ضريراً بالكامل لفترة طويلة من الزمن.

برغم كل ما سبق فقد انبرى الأمير نايف بن عبد العزيز (سديري) وزير الدولة للشؤون الداخلية في الثلاثين من آذار/مارس من عام 1975 وفي مؤتمر صحفي تناقلته وكالات الأنباء ونشرته وسائل الإعلام في اليوم التالي حيث قال : إن الأمير فيصل بن مساعد " كان يتمتع بقواه العقلية خلال ارتكابه الجريمة ولا يزال كذلك".

ثم دعم الوزير أقواله التي يناقض فيها بيان الديوان الملكي وتصريحات أدلى بها جلالة الملك خالد بن عبد العزيز فقال : "إن بعض الصحف ووكالات الأنباء في الخارج تناقلت بعد حادثة الاغتيال معلومات وأقوالاً حول المجرم الذي أقدم على جريمته الشنعاء وما عرف عنه من شذوذ في تصرفاته في الداخل والخارج، ومن الاستجواب المبدئي بعد وقوع الجريمة مباشرة ظن من كان في محيط ارتكابها للأسباب الآنفة الذكر، أن من أقدم على الجريمة النكراء مختل العقل. وبفحص المجرم من قبل الأطباء المختصين تبين أنه يتمتع بقواه العقلية خلال ارتكابه الجريمة وما يزال كذلك.

ثم اختتم الأمير نايف تصريحاته التي تبرر وتوضح ما ورد من لغط في بيان الديوان الملكي أو على لسان المسؤولين السعوديين فقال : نود أن نؤكد أن ما سبق وأن صدر من الديوان الملكي من وصف للجريمة هو الواقع، وعندما تستكمل الإجراءات اللازمة سيحال المجرم إلى القضاء الشرعي للحكم في جريمته بما تقتضي به أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء.

وقد جاءت تصريحات وزير الدولة السعودي للشؤون الداخلية الأمير نايف لتؤكد ما أخذت الصحف العربية والدولية تنشره في هذا المجال فقد كتبت صحيفة روز اليوسف المصرية في 31-3-75 تقول عن الأمير فيصل : وسبق اتهامه بتعاطي عقار الهلوسة LSD ثم ثبتت براءته.

وأضافت الصحيفة في مكان آخر عن لسان أحد أساتذته في جامعة بيركلي وصفه للأمير فيصل أنه : كان يتسم بالأدب الجم، وكان ودوداً وذكياً. كما نقلت صحيفة السفير البيروتية في 27-3-75 عن أليس بنز مديرة الكلية التي درس فيها اللغة الإنجليزية قولها : أنه كان حسن المظهر ودوداً جداً ومهذباً وذا تربية حسنة.

كما نقلت صحيفة اللواء البيروتية عن مالك المنزل الذي كان يسكنه الأمير فيصل في بركلي 28-3-75 أيضاً أنه : كان أهدأ وألطف شخص أقام عندي.. وأن أغرب ما فيه أنه كان يدفع في أغلب الأحيان فواتير ندمائه وكان ذلك شيئاً طيباً لأن ندماءه كانوا من الفقراء، ولم يكن الأمير يهتم كثيراً بالمال.

وفي السابع من نيسان أبريل من عام 1975 نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية تقريراً تقول فيه : إن البروفيسور إدوار رزق الذي درّس الأمير الشاب العلوم السياسية في جامعة كولورادو الأمريكية وصفه : بأنه شاب لطيف ومحتشم للغاية وغير دعي (متواضع)، ولم يتصرف أبداً ككونه من الأسرة الملكية.

وأضافت المجلة الأمريكية في جانب آخر منها عن لسان صديقه سام زاخم اللبناني الذي كان ممثلاً رسمياً لجامعة كولورادو : إنه يعتقد أن الأمير فيصلاً لم يكن يستعمل المخدرات، ووصفه بأنه مسلم تقي وسياسي معتدل محب للحياة الأمريكية. وأضاف : إنني أعرّفه أنه ليس مصاب بعقله.

بعد تفنيد اتهامات الجنون ورفع جانب من ادعاءات الهلوسة وتعاطي المخدرات عبر الأدلة وشهود العيان من المقربين الذين عرفوا الأمير فيصل عن قرب أثناء إقامته ودراسته في الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى من خلال ما قالته المصادر الرسمية على لسان الأمير نايف بن عبد العزيز حول ما نجم عن فحوص وتحليلات تؤكد صحة المتهم الجيدة وتمتعه بكامل قواه العقلية أثناء ارتكاب الجريمة أو بعد ذلك خلال وجوده في الأسر، تعود الأسئلة لتطرح نفسها مجدداً حول الدوافع والأسباب الكامنة وراء اغتيال الملك فيصل ؟!

يقول الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود[1]: "حينما سمعنا هذا الكلام وقلنا أمريكا لها يد، وأمريكا تنتقم من الملك فيصل من أجل قطع البترول عنها، قيل كلام من هذا القبيل، نقلوه عن الملك سعود حين نحِّي عن العرش، قالوا هذا الأمر تدخل فيه الأمريكيون فخلعوا سعود وجاؤوا بفيصل، وهذا غير صحيح. الذي خلع سعود وعين فيصل هم إخوانه، وهذا من حقهم.

وتابع الأمير طلال في المصدر نفسه : إذا وجدوا أن هذا بديل للآخر وأفضل يتصرفون كيفما يشاؤون وقالوا : انتقاماً.. من قطع سعود للبترول سنة 1956م.. فجاء العام 1973م فقالوا قتلوا الملك فيصل لأنه قطع النفط عن الغرب، لا أبداً، لقد شكلت لجان، وبحثت الأمر، وبأمر من الملك خالد وتأييد من الأمير فهد وإخوانه، وأثبتت أن عملية قتل الملك كانت عملية شخصية".

المؤسف هنا هو أن اللجان التي بحثت الأمر والتي تحدث الأمير طلال عنها والتي أثبتت أن عملية قتل الملك فيصل كانت عملية شخصية، لم تصدر أي تقرير تشرح فيه ما توصلت إليه تلك اللجان، لتوضح على الأقل ما تعنيه بأنها عملية شخصية، وما هي المسائل الشخصية المستعصية بين سمو الأمير وجلالة الملك إلى درجة تستدعي تصفيتها على النحو الذي أودى بحياة العاهل السعودي؟

هذا ما يدفعنا إلى البحث في حياة الأمير فيصل، في محاولة منا للإطلالة على ما يمكن تفسيره بالمسائل الشخصية أو أي جوانب أخرى تكشف لنا عن أسباب أخرى قد يكون لها دور في وصول الأمور إلى هذا المستوى من العنف والحل الدموي بين أفراد الأسرة الواحدة.

ولد الأمير القاتل عام 1370هـ - 1950 وهو أحد أبناء الأمير مساعد وهو الابن التاسع لعبد العزيز، إذ ولد عام 1342هـ - 1923 في السنة نفسها التي ولد فيها الملك الحالي عبد الله؛ وتشير المراجع التاريخية المتوفرة أن الأمير القاتل هو حفيد الأمير محمد بن طلال، آخر أمراء آل رشيد الذي سبق وتحدثنا عن أسره من قبل عبد العزيز بعد استيلائه على مدينة حائل عاصمة آل رشيد ونقله إلى الرياض ليتزوج من ابنته جواهر دون أن ينجب منها، في حين زوّج شقيقتها الصغرى وطفاء لابنه مساعد عام 1364هـ - 1944، وقد أنجبت وطفاء خالد الذي قتل بتهمة التطرف ومهاجمة محطة تلفزيونية عام 1385هـ - 1966، وفيصل الذي قام باغتيال عمه الملك فيصل عام 1975.

نشأ الأمير فيصل في أوساط عائلة جده من أمه التي طلِّقت وهو في السادسة من عمره. ويبدو أن أسرة آل الرشيد ما كانت لتخفي أحقادها القديمة على آل سعود، إذ يقال إن محمد بن طلال قام بعدة محاولات لاغتيال عبد العزيز، ويقال أيضاً أن جواهر، خالة الأمير فيصل بن مساعد ، التي تزوجها عبد العزيز قد حاولت قتله وأنها تسببت أثناء المحاولة في فقدانه إحدى عينيه. نذكر أن هذه المعلومات ليست موثقة ولكنها تذكر في كثير من المقالات غير الموقعة على شبكة الإنترنت.

تقول صحيفة السياسة الكويتية في 29-3-75 أن فيصل بن مساعد قد سافر إلى الولايات المتحدة لدراسة العلوم السياسية هناك، فالتحق بداية في جامعة سان فرنسيسكو حيث درس اللغة الإنجليزية تمهيداً للدراسة الجامعية، ثم التحق بجامعة كولورادو عام 1967 كما قالت جريدة المحرر اللبنانية في 29-3-1975، ليحصل منها على شهادة الليسانس في العلوم السياسية عام 1971. أي أنه لم يرسب أو يتأخر عاماً واحداً في دراسته.

وقالت صحيفة الفجر القطرية في 5-4-75 أنه التحق في العام نفسه بقسم الدراسات العليا في العلوم السياسية بجامعة كليفورنيا حيث حصل على شهادة بالدراسة العليا عام 1973. وتابعت الصحيفة القطرية في العدد نفسه أنه عاد إلى السعودية عام 1394هـ - 1974 حيث عُين أستاذاً في جامعة الرياض.

وأضافت الصحيفة القطرية أن فيصلاً قد فصل من التدريس لعدم انسجام آرائه السياسية مع المسؤولين الجامعيين الذين طعنوا بشهادته العلمية الصادرة عن جامعة أمريكية. علماً أن مكتب وكالة الأسوشياتد بريس الأمريكية للأنباء أصدر تقريراً في بيروت 19-6-1975 يؤكد فيه أن فيصلاً قد تخرَّج من ثلاث جامعات أمريكية.

وعن آرائه السياسية التي يبدو أنها لم تنسجم مع المسؤولين في الرياض فقد اكتسبها كما تقول السفير في 27-3-1975 عبر "وجوده في الولايات المتحدة التي كانت بمثابة فترة يقظة". وأضافت السياسة الكويتية في عدد 29-3-1975 : أن التقارير التي جمعتها من الأوساط المطلعة عن كثب على حياة الأمير فيصل بن مساعد، تفيد أنه بينما أمضى فترة صباه في الولايات المتحدة فقد أقام علاقات مع المنظمات السياسية الراديكالية هناك.

وأضافت السياسة في العدد نغسه أنه : عند انتقاله من كلية ولاية سان فرنسيسكو إلى جامعة كولورادو، عاش هناك مع مجموعة من الطلبة الراديكاليين. وأكدت الصحيفة الكويتية : إن الأمير أصبح أكثر راديكالية بعد انتقاله من "كولورادو" إلى الحرم الجامعي في "بيركلي" التابع لجامعة "كاليفورنيا" عام 1971، بحكم أن بيركلي أرض خصبة للنشاطات الراديكالية في الستينات وأوائل السبعينات.

ويبدو أن هذه الراديكالية أخذت تنعكس على سلوكه الشخصي إذ أكدت جريدة السفير في تقرير لها نقلاً عن صحيفة التايمز اللندنية في 29-3-1975 أن الأمير فيصل : كثيراً ما كان يبدو قلقاً لانتمائه إلى الأسرة الحاكمة في السعودية. وتضيف الصحيفة نقلاً عن النيويورك بوست : إنه دأب على انتقاد سياسات الأسرة المالكة السعودية.

كما تؤكد جريدة السفير نقلاً عن التايمز أيضاً : لوحظ ميل الأمير فيصل نحو اليسار، سيما في العام الأخير له في جامعة بيركلي، وأنه راح يقضي في ذلك العام وقتاً أطول مع الماركسيين العرب، ومؤيدي منظمة التحرير الفلسطينية، وقد كان متطرفاً صلباً بالنسبة للقضية الفلسطينية، وكان معادياً للصهيونية، ويعتقد أن موقف أسرته ضعيف بالنسبة لهذه المسألة.

وتقول صحيفة بيروت في 2-4-75 أن الأمير فيصل : رفض قبول العلاوة السنوية التي تدفع لأمراء العائلة المالكة، وكانت علاوته هذه تبلغ حوالي 15 ألف دولار في السنة.. كما أنه أصبح : لا يحب مصاحبة أفراد الأسرة الآخرين في العائلة المالكة. وتؤكد النهار اللبنانية في 29-3-75 أنه طلب إبدال جواز سفره السياسي بجواز سفر عادي.

أما جريدة الدنيا فقالت في 27-3-75 مؤكدة أنه : معروف بين زملائه من الطلاب بأنه ذو مواقف وطنية ومعارضة للنظام السعودي، بينما تقول السفير في 29-3-75 نقلاً عن التايمز اللندنية قول أحد أصدقائه : أنه غالباً ما كان يردد أن أسرته هي أكبر عقبة في وجه التقدم في العالم العربي، وأن همّ الأسرة الحاكمة في السعودية الوحيد هو التعاون مع شركات البترول الأمريكية وإبقاء الشعب متخلفاً.. ما جعله على خلاف دائم مع سائر أفراد العائلة المالكة بسبب سلوكه واتجاهاته السياسية.. ما دفع أحد الأمراء النافذين لنصحه بتغيير سلوكه.

لا شك أن هذه النصيحة لم تأت من فراغ بعد كل ما ذكر، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ما نقل عن معارفه قد توج بشهادة خطيرة أكدت سعيه إلى وضع وجهات نظره "المشاكسة" ضمن إطار للعمل الجماعي أو ما يشبه العمل التنظيمي أو الحزبي، وهذا ما أكّدته صحيفة المحرر البيروتية في عددها الصادر في 29-3-1975 من أن فيصلاً : عندما غادر بيركلي كان في حالة اضطراب شخصي، وكان يبحث عن إطار أيديولوجي كما يقول أصدقاؤه ومعارفه.

ويبدو أن هذا المنحى في اقتران التفكير والقناعات بإيجاد السبل الملائمة للعمل على وضع قناعاته قيد التنفيذ بعد عودته إلى السعودية، قد سبب له ردة فعل سلبية من قبل أسرته، إذ قالت صحيفة السياسة الكويتية في عددها الصادر في 29-3-75 : أن الأمير كان ممنوعاً في الفترة الأخيرة من السفر إلى الخارج. وهو ما أكّدته صحيفة بيروت في 2-4-1975 عن محاولات بذلها فيصل بن مساعد لتجديد جواز سفره، للسفر إلى الخارج، ولكنه فشل في الحصول على موافقة ملكية.

نعتقد أن ما قمنا به من استعراض لأفكار ومعتقدات وسلوك الأمير فيصل بن مساعد الشخصي، نقلاً عن معارفه والذين عايشوه أو تعاملوا معه عن قرب منذ خروجه إلى الولايات المتحدة حتى عودته، وما ذكر عن ظروف عيشه في كنف عائلة جده من آل رشيد، إلى جانب ما أوردته الصحف العربية والدولية من تفاصيل أخرى، جرى تداولها حول شخصية القاتل لن يكتمل إلا بقراءة حرفية لبيان الديوان الملكي الذي صدر بتاريخ الاربعاء 8 / 6 / 1395هـ - 18-6-1975، بعد ساعات من إعدام فيصل بن مساعد، لما فيه من اتهامات لم ترد على لسان أي من معارفه ولكنه قد يسلط الضوء على القراءة الرسمية السعودية لدوافع فيصل في قتل عمه الملك.

بني بيان الديوان الملكي السعودي في اليوم التالي من صدوره، أي في 19-6-1975، في صحيفة السياسة الكويتية وقد جاء يفند أسباب الحكم، على نحو يقول



: وقد بني الحكم على ثبوت اقترافه جريمة القتل العمد السابق القصد، والإصرار بالأدلة القاطعة الدامغة، وباعترافه الصريح لدى المحكمة الشرعية المنوه عنها، والذي أصر فيه على مبادراته المنحرفة، وعلى رفضه للدين الإسلامي الحنيف وشريعته الغراء وإعترافه بأن الدافع لجريمته هو اعتقاده بأن الفقيد الشهيد فيصل بن عبد العزيز كان هو الزعامة العالمية التي تدعو لاستمرار الدين الإسلامي، ونشره في العالم، وأنه يفضل إنهاء الدين الإسلامي تماماً لأنه يساعد على الاتكالية ويعطل عجلة التطور وأنه أقدم على قتل الملك الشهيد من أجل تغيير الدين الحنيف، وأنه لا يرى داعياً لإقامة الشعائر الدينية كالصلاة والصيام والحج، ويعتقد أن على الدولة أن تمنع الناس من ممارسة الصلاة في المساجد. لكل ذلك أصدرت المحكمة الشرعية حكمها باعدامه حداً إذ وجدته باعترافاته التي أصر عليها محارباً للإسلام، وأن الجريمة التي نفذها هي جزء من أهدافه لمحاربة الإسلام والقضاء عليه، وأنه لذلك يكون من أعظم المفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله، واعتقاداته هذه تخرجه من الإسلام وتبيح دمه. (هنا ينتهي البيان)

وقد تعززت هذه الاتهامات الرسمية التي بني عليها حكم الإعدام بتصريحات كتلك التي أدلى بها وزير النفط السعودي بتاريخ 22-8-1975 إلى مجلة أوربيو الإيطالية بقوله : إن فيصل بن مساعد كان يسارياً، واعتقد انه لم يكن يسعى إلى القضاء على شخص الملك فحسب، بل كان يريد القضاء على النظام.

من مشاكل بحثنا، بل وربما من الأسباب الرئيسية في العمل عليه، أن اللجان التي تحدث عنها الأمير طلال بن عبد العزيز والتي تشكلت بأمر من الملك خالد للوقوف على أسباب جريمة القتل، والتي بينت، كما قال الأمير طلال، أن الجريمة قد وقعت لأسباب شخصية، لم تنشر أي تقرير واضح ومحدد، كما لم تصدر لجان التحقيق مع المتهم أي محضر يذكر من جلساتها معه، ما يثير علامات استفهام يصعب الإجابة عليها.

هذا ما يدفعنا في هذه الحالة إلى الاستعانة بأجزاء من التحقيق الذي أجري مع الأمير فيصل، وقال المعارض السعودي عبد الرحمن ناصر الشمراني[2] أنها قد تسربت بواسطة المقربين من الحكم؛ كما أكدت العديد من المراجع الإلكترونية السعودية صحة ما ورد فيها، ومع ذلك لم نستطع العثور على مصادر أخرى تتقاطع معها لتؤكد دقتها، ولكن أبرز ما يدفعنا إلى الاستعانة بهذا المصدر هو أنه يسلط الضوء على ما قد يكون جزءاً مما أشار إليه الأمير طلال بقوله "أن أسباباً خاصة بالقاتل تكمن وراء عملية الاغتيال".

قال الشمراني أن إفادة فيصل بلغت 18 صفحة هاجم فيها الحكم السعودي ولم يدافع عن نفسه، مصراً على أنه عمل بوعي للمسؤولية وما يمليه عليه ضميره، وأن عجرفة الملك فيصل وكبرياءه تجاه ما قدمه له من نصائح، هي التي دفعته إلى ما أقدم عليه بعد استنفاده كل الوسائل للفت نظر الملك فيصل إلى سوء الأوضاع وضرورة إصلاحها.

قال فيصل بن مساعد في أجزاء التحقيق المسربة أنه تقدم بالنصح للملك فيصل ثلاث مرات، بيّن له فيها أن الشعب غير راض عن سياسته وأن الكثير من أفراد الأسرة الحاكمة يتحدثون عن المصير الأسود الذي ينتظر العائلة نتيجة لسياسته الهوجاء.

وأضاف الأمير أن الملك فيصل كان ينظر بازدراء إلى أقواله ويحسبه طفلاً لا يفقه ما يقول، وأن كل ما فعله الملك تجاه تلك النصائح أن صادر جواز سفره. نلفت النظر إلى أن معلومة جواز السفر هذه تتقاطع مع ما ذكرته الصحف الواردة أعلاه من أنباء عن رفض الملك السماح بتجديد جواز سفره.

في جانب آخر من التحقيق المسرب يرد أن الملك اتهمه في المرة الرابعة بالخلاعة وتعاطي المخدرات والإتجار بها، فأجابه بن مساعد بأنه لا يتعاطى المخدرات ولا يتاجر بها، وأن الذين يتعاطون المخدرات ويتاجرون بها من الأمراء معروفون لفيصل، وأن الملك يتعمد التغاضي عنهم، وهم على بعد أمتار منه.

يظهر في التحقيق المسرب أن الملك فيصل طلب منه لائحة بأسماء من يتعاطى من الأمراء وبعد يوم واحد جاءه بن مساعد بكشف يتألف من سبع صفحات، ما دفع بفيصل إلى اتهامه بالتشنيع على الأسرة ومحاولة هدم كيانها، ثم طرده من مجلسه بصلافة. فلم يجد بن مساعد جدوى من النصيحة فصمم على وضع حد لاستهتاره ونفذ ما اعتزمه بتبصر وتصميم. فتقرر إعدامه.

برغم إخفاء محاضر التحقيق وعدم نشر أي وثائق رسمية تحمل اعترافات القاتل أو إجراءت المحاكمة، إلا أن تنفيذ قرار الإعدام قد تم بعلم أكثر من ستة آلاف شخص وبحضورهم، وقد تم إحضارهم، كما كتبت صحيفة الأنوار في 19-6-75، بواسطة مكبرات الصوت عصر يوم الأربعاء على خلاف ما اعتادت السلطات السعودية على إقامته من مراسم الإعدام ظهيرة أيام الجمعة من كل أسبوع.

وقالت صحيفة السياسة الكويتية في 2-4-1975 أن أوساطاً من الأسرة السعودية حاولت إقناع أبيه وأخوته بأن يتولوا إعدام القاتل بأنفسهم، ولكنها فشلت في ذلك أمام رفض العائلة تحمل مسؤولية قتله. فاقتيد فيصل بن مساعد معصوب العينين حاسر الرأس موثوق اليدين إلى ساحة تقع أمام قصر الحكم في الرياض، كما قالت صحيفة بيروت في 19-6-75، التي أضافت أنه أقعد على الأرض، وكان كما قالت الأسوشياتد برس هادئاً وهو يجثو أمام منصة الإعدام.

ووصفت صحيفة السياسة الكويتية الصادرة في التاريخ نفسه جانباً آخر من المشهد فقالت : أشرع السياف سيفه وهوى به على رقبة فيصل بن مساعد، فسقط جسده وتدحرج رأسه إلى الأمام، وبعد قليل رُفع رأسه على قناة ليراه الناس وعُلق جسمه منكوساً على لوح من الخشب ليكون عبرة لمن يعتبر.

وهكذا نقرأ في ثنايا القصة الرسمية المعلنة بعضاً من التأرجح بين الاتهام بالجنون وتعاطي المخدرات تارة والانتقال من هناك إلى الاعتراف بتمتع القاتل بكامل قواه العقلية تارة أخرى، والتركيز أحياناً على الأسباب الشخصية والأفكار الخاصة بالقاتل، ثم الانتقال منها إلى أسباب قد تكون على صلة بواقع السعودية ومصير الأسرة أحياناً أخرى، بالاضافة إلى ما أحاط ذلك من تقارير صحفية ساهمت في تسليط الضوء على جوانب كثيرة من تلك الواقعة التاريخية التي نحن بصددها.

برغم الترابط النسبي في هذه المجموعة من الوقائع المتناقضة أحياناً والضعيفة أحياناً أخرى، إلا أنها قد تكون مبررة نسبياً، فقد ينبع اتهام القاتل بالجنون بداية من حالة الاضطراب التي أثارها الحادث نفسه، وربما كان التراجع عن اتهامه بالجنون ضروري لمحاكمته وإعدامه، وربما كان التشهير بتعاطيه المخدرات نوعاً من إلقاء اللوم على عوامل ليست بيد المتهم وكأنها أرادت الرأفة به بتحميل مسؤولية ما فعله لهلوسة المخدرات، علماً أن تهمة الإتجار بها كانت أمراً مبالغاً فيه، خصوصاً وأن أميراً يتلقى كل الدعم المالي اللازم قد لايحتاج إلى تجارة من هذا النوع.

وهكذا يمكن اعتبار الرواية الرسمية وما احاط بها من معطيات، قصة مترابطة نسبياً خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار ما قيل عن اعتناق القاتل لأفكار يسارية وقومية كانت تنتشر خلال الستينات وبداية السبعينات في أوساط شبابية اتسمت بالتمرد والعصيان في أمريكا تحديداً لما عرفت فيه تلك الفترة من حركات تحرر فكري وتجمعات احتجاجية مطالبة بالحقوق المدنية ومناهضة للتمييز والحرب في ظل هزائم جرجرت الولايات المتحدة أذيالها في فيتنام وكمبوديا ومناطق أخرى من العالم.

ولكن هذا القول الأخير يذكرنا أيضاً بما أثير في تلك الفترة من اتهامات وجهت إلى واشنطن بارتكاب هذه الجريمة على أثر المواقف الفريدة التي عرف بها الملك الراحل، وتحديداً ما يتعلق منها باستخدام سلاح النفط في حرب أكتوبر من عام 1973( رمضان المبارك 1393هـ ) أو ما يتعلق بالجملة الشهيرة التي يقال إن الملك فيصل قد أدلى بها إلى وزير الخارجية الأمريكي حول تقدمه في السن ورغبته الشديدة بالصلاة في المسجد الأقصى، موحياً بذلك إلى إصراره على ممارسة الضغط الأمريكي على إسرائيل كي تنسحب من الأراضي العربية المحتلة.

ب - احتمالات التورط الأمريكي في جريمة اغتيال الملك فيصل :

تكثر الروايات السعودية والعربية الداعمة لفكرة التورط الأمريكي في اغتيال الملك فيصل وقد اقتبسنا الأبرز من تلك المنتشرة على شبكة الإنترنت باللغة العربية والتي جاءت على النحو التالي :



صباح الثلاثاء الموافق 12 ربيع الأول (ذكرى مولد رسول الله) 1395 هـ، 25 مارس 1975م، دخل على الملك أحد أبناء أخوته ، وكان بابه مفتوحًا للقريب والبعيد، فدخل الأمير "فيصل بن مساعد بن عبد العزيز"، وكان معروفًا عنه، معاقرة الخمر، فأطلق عدة رصاصات على الملك فيصل، فمات متأثرًا بجراحة. والقاتل هذا تعلّم فى أمريكا فكان هو الأداة التي أطلقتها أمريكا لاغتيال الملك فيصل (رحمه الله ).

فقد غسلوا مخه تمامًا وارضعوه الحقد والغل على الملك فيصل وعندما أعلنها الملك العظيم فيصل للدولة الصليبية الأمريكية أنه مستعد أن يعود للخيام ويستغني عن البترول إذا استمرت أمريكا في مساعدة إسرائيل.

وعندما اجتمع هنري كيسنجر مع الملك فيصل وقال له الملك : ( إن سني قد كبرت وأريد أن أصلى في المسجد الأقصى) لم تطق أمريكا هذا الملك فأوعزت إلى قاتله، فكانت رصاصات الغدر والخسة والنذالة في صدر الملك فيصل ليقابل ربه شهيداً ما أراد وتمنى. ومن هنا نستطيع أن نقول إن القاتل الحقيقي للملك فيصل رحمه الله هي أمريكا عليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. (انتهى الاقتباس).

مع انتشار نبأ اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود ظهر الثلاثاء 25 آذار/مارس، قال موظف الاستقبال في أحد فنادق بيروت الكبرى : لم يحصل بعد في التاريخ ما حصل في السعودية، ملك كبير مثل فيصل يقتل داخل ديوانه الخاص، وعلى مرآى ومسمع من حراسه ومرافقيه ومعاونيه وزواره، وعلى يد ابن أخيه، ثم يقال إن القاتل مجنون. المجنون وحده هو الذي يصدق مثل هذه الرواية. هذا ما كتبته مجلة الدستور اللبنانية بعيد أيام من اغتيال الملك في الخامس من نيسان/أبريل 1975.

ولو بحثنا في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة على شبكة الإنترنت عن اغتيال الملك فيصل لوجدنا الفقرة التالية : "في يوم الثلاثاء 25 مارس/آذار 1975، قام فيصل بن مساعد بن عبدالعزيز آل سعود باغتياله عن طريق إطلاق النار.. تأكد بعدها من أن المجرم القاتل مدفوع بحقد أمريكي صهيوني شيوعي وهم الأعداء الثلاثة للملك فيصل".

برغم دقة هذا الاتهام الخطير إلا أنه يستدعي التأكد منه وعدم الاستهانة أو الجزم بمعطياته مهما بلغت من وضوح، خصوصاً حيال ما ينتاب المراقب من شك وريبة في السلوك الأمريكي الغامض والمبهم في كثير من هذه القضايا المشابهة، فالمعروف عن واشنطن أنها لا تتردد بارتكاب أي جريمة إذا استدعت مصالحها ذلك، هذا ما تؤكده سياستها الخارجية على مدار القرن الأخير من التعامل مع مختلف الشعوب.

لقد كيلت الاتهامات العشوائية بوتيرة متصاعدة منذ اللحظة الأولى لانتشار خبر اغتيال الملك فيصل على صفحات مختلف وسائل الإعلام العربية من المحيط إلى الخليج، ولو عدنا إلى تقارير وكالات الأنباء الإقليمية على اختلافها لوجدنا عبارات مبهمة تشير إلى وجود مؤامرة ما تحاك ضد الأمة العربية تستهدف الإساءة إلى وحدتها وأن هذه الحادثة تشكل بداية لمؤامرة ستشهدها المنطقة في القريب العاجل وما شابه ذلك من جمل وعبارات موازية.

بعد يومين فقط من وقوع الجريمة وفي 27-3-75 أي قبل انجلاء الصورة عن وقائعها كتبت صحيفة الأخبار المصرية تقول : أن الكثيرين يتساءلون عما إذا كانت توجد مخططات أجنبية وراء الاغتيال المقصود بها التخلص من صديق مصر الذي تعتمد عليه اعتماداً كبيراً. ثم تساءلت صحيفة الرأي العام الكويتية في اليوم نفسه "عما إذا كان اغتيال الملك فيصل قد تم بأيد أجنبية".

والحقيقة أن عبارة الأجنبية هنا لا تعني الولايات المتحدة وحدها بل تشمل الصهاينة أيضاً وهذا ما أوردته صحيفتي المحرر واللواء في 28-3-75 نقلاً عن مصادر سعودية، من حديث عن مؤامرة صهيونية فقالتا : إن بعض السعوديين قد ألمح إلى أن الاغتيال ربما كان له علاقة بالميول اليسارية لدى القاتل، أو أنه جاء نتيجة علاقات صهيونية.

أما السياسة الكويتية فقد نشرت في 1-4-75 مقابلة لشخصية أندونيسية عالمية جاء فيها : اتهم أحمد جايشو رئيس المنظمة الإسلامية الدولية بجاكرتا اليوم الحركة الصهيونية الدولية بأنها المحرض في اغتيال الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية، وقال إن ردود فعل وتعليقات المسؤولين الإسرائيليين تحمل على الاعتقاد أن الصهيونيين شاركوا في تدبير هذا الاغتيال. وأضاف أحمد جايشو أن الملك فيصلاً كان معروفاً بآرائه العنيفة ضد إسرائيل وأنه من المحتمل أن يكون بعض العملاء الصهيونيين قد استغلوا الأمير فيصل بن مساعد أثناء وجوده في الجامعة الأمريكية ليكون لعبة في أيديهم.

مجرد تكهن ، إذ يكاد المريب يقول خذوني، قد سارع كيسنجر يقول سلفاً دون أن يوجه إلى حكومته أو أجهزته اتهاماً صريحاً وواضحاً : إنني واثق تماماً بأنه لا أحد في الولايات المتحدة له مصلحة في اغتيال الملك فيصل.

قدمت جريدة الدنيا اللبنانية في 28-3-75 معلومات مهمة قالت أنها تلقتها من مصادر موثوقة : تحدثت عن احتمال وجود أصابع للاستخبارات الأمريكية في حادث اغتيال الملك فيصل، وذلك من ضمن اللعبة الأمريكية القائمة على أساس تغيير الرؤوس فترة بعد فترة، انطلاقاً من مبدأ أن الاستقرار الطويل يخلق المتاعب للبيت الأبيض. وتقول معلومات الصحيفة أن الملك الراحل كان يعرف أن الاستخبارات الأمريكية تخطط لاغتياله أو الإطاحة به وأن هناك احتمالاً كبيراً بأن تكون هناك فئة ثالثة قد استغلت صراع الأجنحة داخل المملكة وضربت ضربتها باغتيال الملك.

ثم روت الصحيفة قصة انقلاب عسكري كان المفروض أن يقوم في 26-3- 1975م بقيادة فئة من الأسرة المالكة بالاتفاق مع عدد من الضباط. وأضافت أن سفيراً عربياً في بيروت تربطه علاقة وثيقة بأهل الحكم في السعودية قال : أن الملك فيصل قد أسر إليه أن وكالة الاستخبارات الأمريكية تخطط الآن للاطاحة بأكثر من رأس. وتسأل الدنيا : هل يعني ذلك أن رصاصات فيصل بن مساعد قد جاءت من طرف ثالث لقطع الطريق أمام الانقلاب العسكري؟

نقل عن الأمير محمد، ابن الملك فيصل، في تلك الفترة وصفه لأبيه بالقول : "لقد أصبح منغمساً في عمله إلى درجة أنه لم يبق لديه وقت لحياته الخاصة". بينما يتذكر ابنه الأكبر عبد الله تلك الأيام بقوله



: "كنا نحس بالألم، ولم نكن نستطيع عمل شيء". ويبدو أن عبد الله قد عزم على أن يجرب مواساته. كانت له فيلا صغيرة عند جدول إلى الشمال من جدة، فدعا والده ليأتي إلى هناك مساء أحد أيام الجمعة قائلاً : "لن يكون عندنا أحد إلا أفراد العائلة سنجلس في هواء الليل ونتحدث". فجاء رد والده بالقول : "شكراً، ولكن لا".

أصر عبد الله قائلاً : "أرجوك! أريدك أن تغير هذا الجو. أريدك أن تسترخي". فجاءه رد الوالد بحزم : "أتظن أنني لا أعرف لماذا تدعوني؟ وهل تظن أنني لا أحبك بسبب ذلك؟ أتمنى لو أستطيع المجيء. ولكن كيف يمكنني أن أشعر بالحرية والسعادة؟ سأظل أفكر في العمل طوال الوقت. لا أستطيع الاسترخاء. لا أستطيع أن أتذوق الحياة نفسها. أقول لك يا عبد الله، إنني لم أعد أفرق بين ما هو بارد وما هو ساخن".


يقول جوزيف أ. كيشيشيان[4] أن السعودية لم تكن محصنة تجاه الثورات التي كانت تقوم في البلدان العربية الأخرى، كما يتضح من الأحداث التي حلّت بالبلاد في تلك الفترة. فمع انتشار الاضطرابات في المنطقة، تمكن الضباط العسكريون من قلب الأنظمة المحافظة في كل من ليبيا والسودان والصومال.

ويضيف الكاتب : في حزيران/يونيو وتموز/يوليو 1969 ( 1389هـ ) اجتمع كل المناصرين العسكريين للجبهة الشعبية الديمقراطية والجبهة الوطنية لتحرير السعودية واتحاد القوات الديمقراطية في المملكة، وقاموا بالتخطيط لانقلاب عسكري جديد. وكان من المخططين هذه المرة 60 ضابطاً من القوات الجوية ومدير الأكاديمية العسكرية الجوية في الظهران.

ويقول آفي بلاسكوف أن الخطة كانت تقضي بالهجوم على الملك فيصل والأمراء النافذين من خلال قصف القصر الملكي قصفاً جوياً، ثم إعلان قيام جمهورية الجزيرة العربية. وقد كان إلى جانب هؤلاء الضباط عدد من القادة السابقين لمواقع عسكرية. على أثر هذه المؤامرة تم توقيف مئات الضباط، كما شلت حركة الطيران العسكري لعدة أسابيع. كما جرى توقيف حوالى 300 ضابط [5].

ويؤكد ج. ب. كيلي أنه تم إعدام 135 جندياً بين ضباط ومتطوعين في الجيش والقوات الجوية، وحكم على 350 بالسجن المؤبد، كما تلقى 752 ضابطاً وجندياً ومدنياً أحكاماً بالسجن تتراوح بين عشر وخمس عشرة سنة[6].

وقد بلغ تهديد الأسرة الحاكمة في سلطتها مستوى، يقول سعيد أبو ريش[7]، بحيث أن فيصلاً قام ولأول مرة حسب تعبيره بقتل فرد من نخبة الأسرة الحاكمة في محاولة انقلاب عندما أعدم الأمير فيصل بن سعود بن محمد بن عبد العزيزفي قاعدة الظهران العسكرية، وقد نفذت أحكام الاعدام في حق جميع المتمردين بمن فيهم الكولونيل داوود الرومي وسيد العمري اللذين أعدما سنة 1969. وحدث تغيير في طريقة تعيين أفراد القوات الجوية وأصبح اختيارهم يتم وسط العائلة الملكة والأسر المقربة منها. أما المشاركون في أحداث الظهران فلا يعرف بعد مصير الكثيرين منهم.

وكانت أعمال التمرد العسكري المدني الأكبر من حيث الأهمية تلك التي قادها يوسف الطويل عام 1969، وكان والده محمد الطويل قد قام بحركة عصيان في الثلاثينات للإطاحة بآل سعود. ولكن يوسف لم يُقتل خوفاً من ردة فعل أنصاره، بينما توفي الكولونيل سعود ابراهيم المعمر في السجن من جراء التعذيب واختفى 23 من المشاركين في حركة التمرد حسب ما ورد في كتاب سعيد أبو ريش.

وقد بلغ التهديد الذي تعرضت له الملكية في السعودية مستوى من الخطورة جعل الوثائق البريطانية تتحدث عن تلك الفترة معتبرة أن احتمالات حدوث انقلاب عسكري ناجح هناك قد تضاعفت بحيث قد لا يصمد الحكم الملكي أكثر من خمسة أعوام، وكأنها بذلك تتنبأ بجريمة الاغتيال التي تعرض لها الملك فيصل بعد خمسة أعوام من ذلك التاريخ.

هذا ما ورد في البند السادس من وثيقة بريطانية صدرت تحت عنوان "الورقة الأساسية للسفارة البريطانية عن مبيعات الأسلحة للسعودية"، الموجهة من السفارة في جدة في 11-2-1970، وهي تقول بالترجمة الدقيقة ما يلي :

سرّي

السفارة البريطانية، "جدة"

11 فبراير، 1970 ( 1390هـ )

…..

6 - من الاعتبارات السياسية الأخرى ذات الصلة، اعتبار من نوع آخر. في ضوء أحداث الإثني عشر شهراً الأخيرة، نرى أن احتمالات حدوث انقلاب عسكرى ناجح هنا قد تضاعفت. ما زلنا نرى أن النظام قد يصمد 5 أعوام أخرى، إلا أن هناك أخطاراً تبدو لنا الآن أكبر مما كانت قبل عام. إذا وقع الانقلاب فإن كميات الأسلحة العاملة فعلاً قد تصعّب على السعوديين تغيير الموردين فجأة أو على نحو جذري، فهم أشد تورطاً من "ليبيا". لكني واثق من أن أحد الأسباب الرئيسية للمشاعر الثورية سيكون صفقات شراء السلاح السابقة وما أحاط بها من تعاملات فاسدة. والدرس المستخلص من هذا هو أن نتجنب بقدر المستطاع أي التزام يمتد زمنياً أكثر من خمسة أعوام، أو يترك الشركات بدون تدفقات نقدية في تلك الأثناء.

ج - بصمات نزاع على السلطة داخل الأسرة المالكة وراء اغتيال فيصل :

في الخامس والعشرين من آب/أغسطس من عام 1975، بعد أقل من خمسة أشهر على رحيل الملك فيصل كتبت مجلة البلاغ اللبنانية في عددها 188 تقول إن "الأمير فهد يتعامل ويعامل على أنه الملك الفعلي في البلد.. فعلى الصعيد الداخلي يجمع ولي العهد بين يديه وأيدي إخوانه (الملقبين بالمجموعة السديرية)، أكبر قدر من السلطة والإشراف والتوجيه في مجالات الأمن والجيش والاقتصاد، وعلى الصعيد الخارجي، أصبح ينظر إليه عربياً ودولياً، باعتباره الملك الفعلي.

برغم صدور الصحف الأمريكية من وراء المحيط الأطلسي فهي مع بعدها الجغرافي كثيراً ما تبدو أقرب إلى حقيقة واقعنا من وسائل إعلامنا العربية التي أصبحت تفاخر في مصداقية مصادرها الصحفية الأمريكية الموثوقة.





من الواضح أن مجلة نيوزويك الأمريكية كانت أقرب إلى الأسرة المالكة من زميلاتها العربية، فقد كتبت في 7 نيسان/أبريل 1975 تقول : "إن اختيار الرجل الذي جاء بعد فيصل في السعودية كان بعيد الاحتمال، (تقصد الملك خالد) ولو أنه كان ولياً للعهد طوال عشر سنوات، فقد اعتاد الاختباء وراء الكواليس وهو لطيف غير معادي لأي جماعة نفوذ في العائلة، وهو غير سليم صحياً، فقد أجريت له عملية قلب مفتوح قبل سنوات ثلاث ويكرس معظم أوقاته للصيد وسباق الإبل.

وتضيف المجلة الأمريكية : أما الأمير فهد فإن شخصيته السياسية أقوى من شخصية خالد، وقام هو بالذات بإجراء المفاوضات الثنائية التي تمت العام الماضي 1974 حول اتفاقية التعاون مع الولايات المتحدة، والذي أصبح الرئيس المشارك في اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي مع سكرتير الخزانة وليم سايمون.

وتتابع نيوزويك تحت عنوان فرعي يحمل عبارة "السديريون" فقالت إن السديريين السبعة يتمتعون بنفوذ كبير جداً في البلد، وأن لا شيء يمكن أن يحدث في السعودية دون استشارة هؤلاء السبعة. وتختتم الصحيفة أن الملك الجديد يفضل حياة الصيد على قاعات البلاط الملكي، على خلاف ولي العهد فهد الذي يعتبر من دهاة السياسة، والمسيّر الفعلي للسياسة السعودية. وأن أول ما حصل بعد تولي العرش الجديد هو تأكيد سلطة السديريين السبعة.

يقول موقع الإدارة العامة للتربية والتعليم في محافظة الطائف أن حصة بنت أحمد السديري هي ابنة خال الملك عبد العزيز، وقد أنجبت له سعداً وتوفي صغيراً، ثم طلقها، فتزوجها أخوه محمد بن عبدالرحمن، فولدت له عبد الله بن محمد بن عبدالرحمن، وطلقها، فتزوجها الملك عبدالعزيز ثانية.

وأنجبت حصة للملك كل من : فهد وسلطان وعبد الرحمن وتركي (الثاني ( ونايف وسلمان وأحمد



وفلوة (توفيت صغيرة) وشعيع (تصغير شعاع) توفيت صغيرة وموضي)توفيت شابة) ولؤلؤة، التي تزوجها فيصل بن تركي بن عبد الله بن سعود الفيصل، ولطيفة، التي تزوجها عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الفيصل وطلقها، فتزوجها خالد بن تركي السديري (ابن خالها) والجوهرة، التي تزوجها خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الفيصل. وجواهر، التي تزوجها محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الفيصل.


وقد عمرت حصة بنت أحمد السديري بعد الملك عبد العزيز، وتوفيت في أواخر عام 1389هـ/1969م.

وقد كان لأركان هذا الجناح ( السديري ) دور كبير في اشتداد أجواء النزاع على السلطة التي سادت إبان اغتيال الملك فيصل، كان من أبرزها محاولات الشقيقين فهد وسلطان (سديريين) إلغاء ما يعرف بالحرس الوطني ، أو إبعاد عبد الله بن عبد العزيز عن قيادته، في محاولة لإضعاف نفوذه أعوام 1966-1967- 1975 ( 1386هـ - 1387هـ - 1395هـ ) وبعد ذلك عام1397هـ - 1977، كما سبق وأشرنا في جانب سابق من البحث، ثم وصلت المواجهة عام 1399هـ - 1979 حد الاشتباكات المسلحة بين وحدات الحرس الوطني التي قادها عبد الله وقوات الجيش التي يقودها الأمير سلطان.

إذ تؤكد مجلة النداء الأسبوعي البيروتية، في 27-5-1979 في مقالة تحت عنوان : "الخلافات ما زالت قائمة داخل العائلة الحاكمة"، أن مواجهة عسكرية وقعت في نيسان/أبريل من عام 1979 بين الطرفين بحصول اشتباكات بين وحدات من الحرس الوطني وقوات الجيش أسفرت عن مقتل ستة عشر شخصاً وجرح حوالى ثلاثين. وأضافت الأسبوعية أن هذا ما دفع الأمير عبد الله إلى تعزيز دور الحرس الوطني وتكثيف وحداته على مداخل المدينة بينما أبقي على قوات الجيش داخل الرياض.

ويبدو أن علاقة ما قد نشأت بين الأمير فيصل بن مساعد والأشقاء السديريين الأبرز، أي سلطان وسلمان وربما فهد أيضاً، إذ أكدت صحيفة الأنوار في عددها الصادر في 28-3-1975 أن الأمير فيصلاً قد استدعي من قبل عمه الأمير سلطان للتحدث معه في مناسبات متعددة قبيل خمسة أشهر من وقوع الحادث، وكان يسأله باستمرار عن أسباب متاعبه.

كما نشرت مجلة الصياد في 10-4-1975 خبر اجتماع الأمير سلمان لمحاورته، وأكدت المجلة أن الأمير سلمان قد استدعاه أيضاً، وأن كلا الأميرين قد حاوراه في أكثر من مناسبة، وأنه أعلن لهما رغبته في الزهد. كما أكد الكاتب السعودي عبد الرحمن الشمراني أن حصوله على معلومات تؤكد اجتماع فيصل بالأمير فهد في أوروبا.

كما ينقل الشمراني خبراً شائعاً مفاده أن شقيقة الأمير فيصل بن مساعد قد أعلمت الأمير سلطان بن عبد العزيز بأن أخاها ينوي "شراً بالملك"، فتجاهل سلطان كلامها، وقال إنه لم يحمله على محمل الجد باعتباره "كلام أطفال". علماً أن لقاءات الأمراء الثلاثة بالقاتل على مدار الأشهر الخمسة التي سبقت وقوع الجريمة، والاستماع إليه ومحاورته تكفي لتحميلهم مسؤولية ما جرى.

قد يقول البعض أنه من الطبيعي والعادي أن يلتقي العم بابن أخ له عدة مرات في الشهر، ولكن التساؤلات التي تطرح نفسها هنا كثيرة أهمها أن عدد أبناء عبد العزيز بلغ 36 ولكل من هؤلاء أعداد كبيرة من الأبناء، فهل كان الأشقاء الثلاثة يلتقون بكل منهم لمناقشة مشاكله ومتاعبه؟ أما السؤال الأهم فهو أنهم سمعوا عنه كما سمعوا منه أشياء تثير القلق، بالإضافة إلى التحذير الصادر عن شقيقته بما يضمره الأمير الشاب لعمه الملك، أما كان من الحري بهم أخذ الحيطة والحذر وهم معنيون بحماية رأس الدولة؟؟

ألا تحتمل هذه اللقاءات المتكررة مع القاتل من قبل عمومته المتنفذين الثلاثة تأويلاً يدخلها في إطار النزاع الأسري القائم على السلطة؟ ألا يمكن أن يصدق ما تروجه بعض المواقع الإعلامية على شبكة الإنترنت من استغلال الأشقاء الثلاثة لتذمر الأمير الشاب وميوله القومية واليسارية المغامرة كي تطمئنه على حقه بارتكاب جريمته؟

يقول أحمد عبد الوهاب رئيس التشريفات في القصر الملكي في مقابلة نشرت في 28-3- 1975 في جريدة الأنوار اللبنانية، واصفاً حادثة الاغتيال أنه "بعد أن أطلق الأمير فيصل النار على عمّه ألقى مسدسه ببرود عجيب" وهو تصرف يوحي بأن القاتل كان بالغ الطمأنينة والثقة بنفسه. أما كان يجدر به أن يحاول الفرار، إن كان عمله شخصياً بهدف الانتقام لشقيقه خالد؟ أو أن يطلق النار على جميع من حوله لو كان مجنوناً؟؟

يقول أحمد عبد الوهاب في مقابلة نشرت في مجلة الصياد اللبنانية في 10-4-1975، أن "أحد الحراس قد ضرب فيصلاً بالسيف وهو في غمده، بينما كان القاتل يبدي دهشته من تدخل الحرس"، فهل أبدى الأمير الشاب دهشته من حارس يتطاول على سيده الأمير؟ أم أنه استغرب ردة فعل حارس كان يتوقع منه تغطية ما ربما وعد بها من قبل من أعربوا عن تضامنهم معه؟؟!!

وكان ما يعرف بالأخوة السديريين لحظة اغتيال الملك فيصل ممسكون بالأمن والاستخبارات وأجهزة التجسس في البلد. فقد كان فهد بن عبد العزيز حينها وزيراً للداخلية، وكان شقيقه سلطان وزيراً للدفاع، وشقيقهما سلمان أميراً لمنطقة الرياض، ونايف نائباً لوزير الداخلية، وهم الأربعة أشقاء من أم واحدة هي حصة، والأهم أنهم يعتبرون من الناحية الإدارية والتنفيذية المسؤولون بالدرجة الأولى عن أمن السلطة والملك والبلد برمتها.

وتابع أحمد عبد الوهاب روايته في الصياد بالقول "حمل الأمير سطام (نائب سلمان، أمير منطقة الرياض) وبعض الموجودين الملك وسارعوا به إلى المستشفى المركزي.. وقد أدرك كبار الأمراء الموقف فبادروا إلى التصرف على أساس وقوع القضاء، وتمت السيطرة على الوضع، وخلال أقل من ساعة تأكدت الطبيعة الفردية للحادث، فاتجه الاهتمام لمنع استغلاله. وكان الأمير سلمان أمير الرياض الأسرع في التحرك، واستطاع أن يؤمن الموقف تماماً قبل نقل جثة الملك من المستشفى إلى القصر.

في هذه الأثناء كان الأمير سلطان في جدة، على مقربة من مراكز القوات السعودية المتواجدة هناك وفي عاصمة الحجاز، كما توجه الأمير نايف على الفور إلى المنطقة الشرقية قبل إذاعة الخبر وانتشاره. وصدرت أوامر بإغلاق أبواب القصر ومنع الاتصالات الهاتفية واستنفر الجيش وأجهزة الأمن التابعة للداخلية بالدرجة القصوى.

أما عن مصير القاتل، فلم يتم تركه لحظة واحدة بعيداً عن أعين السديريين وحمايتهم ومرافقتهم، فقد بقي فيصل بن مساعد بحوزتهم وعلى مقربة تامة منهم ولم يسلم إلى السلطات أو القضاء بل أصروا على "استضافته" في منزل واحد من أبرز الأشقاء السديريين، وقد بقي هناك طوال فترة الأشهر التي مضت بين لحظة ارتكاب الجريمة وحتى إعدامه فيما يُعرف بساحة الجمعة.

وأكّدت صحيفة البيرق الصادرة بتاريخ 27-3-1975 أنه "على أثر الاغتيال اصطحب الأمير سلمان فيصلاً بن مساعد معه إلى قصره، حيث وضع تحت حراسته، وأجري تحقيق معه بإشراف الأمير فهد ولي العهد". بينما قالت صحيفة الشعب الصادرة في 27-3-1975 "أن الأمير القاتل موجود في الآن في قصر الأمير سلمان بن عبد العزيز حاكم الرياض، وسوف يستجوبه عمومته وأبناؤهم عن الدوافع التي حملته على ارتكاب جريمته النكراء".

من جهة أخرى لوحظ إمعان في النزاعات الداخلية على السلطة حتى في تلك الأوقات الدقيقة، فقد صدرت إيحاءات إثر عملية الاغتيال تلقي اللوم على الأمير عبد الله، (الملك الحالي) باعتباره مسؤولاً عن الحرس الملكي، حيث جرى تجميد دور الحرس الملكي مباشرة في تلك اللحظات الحاسمة والعصيبة، كما تقرر إثرها فصل أفراد الحرس الملكي الذي كان منوطاً به حراسة الملك فيصل عند وقوع الجريمة، وتقرر إعادتهم إلى الصحراء من حيث أتوا بعدما استغني عن خدماتهم، وفق تأكيدات العديد من الصحف المحلية والعربية حينها.

علماً أن الأمير عبد الله، قائد الحرس الملكي، كان خارج البلاد يقوم بزيارة إلى بيروت في تلك الأثناء، وكان شقيقه بدر بن عبد العزيز نائب رئيس الحرس الوطني قد تولى المسؤولية خلال فترة غيابه، (وهو فرع سديري آخر، والدته هيا بنت سعد السديري) فاقتصر واجبه في تلك المرحلة الهامة من حياة الأمة على إعلان استنفار وحدات الحرس الوطني.

لا شك في الأهمية الملفتة لما قاله رئيس التشريفات الملكية أحمد عبد الوهاب في المقابلة التي أجراها مع الصياد 10-4-75 من أنه "خلال أقل من ساعة تأكدت الطبيعة الفردية للحادث.. وكان الأمير سلمان أمير الرياض أسرع الجميع للتحرك واستطاع أن يؤمن الموقف تماماً قبل نقل الجثة من المستشفى إلى القصر".

وهكذا، بعد ساعة فقط أوصدت الأبواب وأثناء انشغال سطام والآخرون بمرافقة الجثمان إلى المستشفى وغياب عبد الله في لبنان، واتفقوا فيما بينهم على اختيار خالد بن عبد العزيز ملكاً، ولم يكن في ذلك أي إشكالية باعتباره كان ولياً للعهد في عصر الملك فيصل الذي عينه كما سبق وأشرنا لعدم اهتمامه بالحكم وكي لا يكرر تجربته مع شقيقه سعود، إلا أن تعيين فهد ولياً للعهد هو ما يثير التساؤلات.

تكمن المفارقة الأولى في مصادفة وقوع حادثة الاغتيال أثناء وجود عبد الله الشخصية المنافسة الأبرز على السلطة في بيروت كما نقرأ الكثير في تخطي القاعدة التي تنص على اختيار من هم أكبر سناً لتولي العرش وولاية العهد، فقد عين فهد ولياً للعهد برغم أن ثلاثة من أبناء عبد العزيز يكبرونه سناً وهم سعد وناصر ومحمد، ولا شك أن مكانته السياسية وتحالفاته مع أشقائه المتنفذين في الأجهزة المسلحة الأبرز، (الداخلية والدفاع وإمارة الرياض) قد مكنه من ذلك.

مسألة غياب عبد الله بحد ذاته عن الاجتماع الذي "بويع" فيه الأمير خالد ملكاً، وعين فهد ولياً للعهد مسألة تثير الانتباه، فهل كان عبد الله سيقبل بمنح ولاية العهد للأمير فهد؟ خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار ما شهدته مرحلة حكم فيصل وما سبقها من نزاعات بين الأخوة السديريين وعبد الله بدأت منذ الستينات ولم تنته بوصولها حد الاشتباكات العسكرية المسلحة وسقوط عشرات القتلى بين الطرفين.

القضية الملفتة الثالثة وقد لا تكون الأخيرة هي الاستعجال التي شهدته تلك الجلسة في تعيين ولياً للعهد، وهذه مسألة كانت تحتمل الانتظار أو التأجيل حتى قدوم عبد الله، (وقد عاد فعلاً بعد سويعات، ولكنه وصل بعد التعيين بلحظات) وجمع بقية الأطراف الفاعلة في الأسرة؛ ما يجدر ذكره هنا هو أن منصب ولي العهد ظل شاغراً في عهد الملك فيصل قرابة عام كامل، أي أن تعيين ولي العهد لم يكن ضرورة عاجلة إلى هذا الحد.

هذا ما أدى بين مسائل أخرى إلى ما لاحظه المراقبون في مختلف الصحف من مسارعة عبد الله إلى إرسال برقية التأييد والطاعة مباشرة إلى الملك الجديد، إلا أنه تخلف أكثر من خمس ساعات في إرسال برقية مشابهة لولي العهد، بينما بعث بقية الأمراء البرقيتين في آن واحد. ما يوحي بأن عبد الله ربما فضل الانتظار ولو لبعض الوقت حتى يرى إن كان أمامه خيار آخر للحؤول دون ذلك.

قد يرى المراقب للوهلة الأولى أن صيغة الاغتيال-الانقلابية هذه، لو صدقت، لاعتبرت أغرب عملية انقلاب في التاريخ، إذ إنها، كما يبدو، لا تستهدف الوصول إلى الموقع الأول في السلطة كبقية الانقلابات، وهو في هذه الحالة العرش الملكي لأغنى دولة في المنطقة، بل توحي الفكرة بأن الانقلابيين هنا قد تحالفوا فيما بينهم لمجرد الوصول إلى ولاية العرش، وهي مرتبة قابلة للتغيير كما حصل في الأردن قبيل وفاة الملك حسين بن طلال عام 1419هـ - 1999م الذي خرج من المستشفى ليخلع شقيقه الأمير الحسن من ولاية العهد ويعين ابنه عبد الله ( ملك الأردن الحالي ) ، ثم عاد إلى وطنه ليموت مطمئناً.

لكن الحقيقة مغايرة تماماً لما تبدو عليه في الظاهر، فالمعطيات الأولية تؤكد أن هذا الانقلاب له بعدين اثنين يتعديان مجرد الاستيلاء على السلطة لمرة واحدة، فهو اعتلاء للعرش أولاً وربما نقله في البعد الثاني من سلالة عبد العزيز وفق التسلسل المعهود لتركيزه في أيدي مجموعة قوية من أبنائه، الذين بدأ نفوذهم بالتنامي منذ استيلاء فيصل على السلطة من شقيقه سعود، وما زال في تصاعد مستمر حتى يومنا هذا، كما يوحي بالسير في هذا الاتجاه أكثر فأكثر مع مرور الزمن، وهذا ما سنحاول تبيانه لاحقاً.

لا بد من التذكير هنا مجدداً، وفي سياق التبرير للبعد الأول أن فيصلاً عندما اختار شقيقه خالداً ولياً للعهد، اعتمد في ذلك على مرضه وعشقه للصيد وعدم اهتمامه بالمنافسة على السلطة. أما وقد أصبح خالد ملكاً بعد فيصل فما كان لينافس فهد على السلطة حتى لو كان يجلس على العرش، ويبدو أن هذه مسألة أصبحت شائعة بعد أيام فقط من عملية الاغتيال السياسية وتولي الملك خالد زمام الحكم في الرياض.

ففي السابع والعشرين من آذار/مارس 1975 كتبت جريدة اليوم تقول إن "كثيرين من السعوديين يعتبرون أن الحكم كان في يد الملك فيصل، أما الآن فقد أصبح ثنائياً بيد الملك خالد وأخيه الأمير فهد المعروف بصداقته للغرب وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية".

وذهبت الكفاح العربي في توضيح مسألة(ازدواجية) امتلاك السلطة السعودية إلى ما هو أبعد من ذلك بقولها في 28-3-1975 أنها "علمت من مصادر مطلعة قريبة الصلة ببعض الدوائر الغربية في بيروت، أن الملك السعودي الجديد خالد بن عبد العزيز قد يتنازل عن العرش خلال الشهور المقبلة لصالح ولي عهده وشقيقه الأمير فهد.

وأضافت الكفاح العربي أن "المصادر الغربية نفسها تعزو موقف الأمراء السعوديين من التمسك بالملك خالد كخليفة للعاهل الراحل وعدم المجيء بالأمير فهد مباشرة إلى العرش لتحويل الأنظار عن الصراع السائد على السلطة في المملكة عن الأذهان، وإبراز حادثة الاغتيال على أنها مجرد عمل فردي طائش، لا خلفية وأبعاد سياسية ولا دوافع له، إلى جانب التمسك بالشرعية الدستورية، وعدم تسجيل سابقة في تجاوز ولي العهد تحت أي ظرف كان".

هناك وجه أكثر وضوحاً في هذا المجال كشفت عنه لاحقاً مجلة ميدل إيست ماركتس الصادرة في نيويورك عن تشيز مانهاتن بنك في 7-5-1975 حيث ذكرت أن "مرسوماً ملكياً قد صدر الشهر الماضي أعطيت بموجبه جميع صلاحيات الملك خالد الخاصة بصنع القرارات في الشؤون الداخلية للأمير فهد".

كما نشرت المجلة فقرات من المرسوم الذي قالت أنها حصلت على نسخة شبه سرية منه، وأنه قد وزع على وزراء الحكومة السعودية في الثالث من نيسان الماضي ولم يتم توزيعه علناً. وقد جاء في المرسوم : "نود إعطاءك جميع الصلاحيات الخاصة بتسيير الشؤون الداخلية والخارجية وإصدار القرارات الوزارية طبقاً للسياسات المعمول بها في البلاد بعد التشاور معنا".

سنكتفي بهذا القدر لتبيان حقيقة أن السلطة بعد مقتل فيصل قد آلت فعلياً ومنذ الأيام أو ربما الأشهر الأولى إلى الملك فهد، نكون قد أوفينا البعد الأول حقه، والقائل بأن عملية الاغتيال قد شكلت بهذه الحالة استيلاء شبه كامل على السلطة وليس ولاية العهد فقط، خصوصاً وأن العرش قد انتقل رسمياً بعد وفاة الملك خالد إلى فهد في سلاسة لم تشهد الأنظمة الوراثية مثيلاً لها.

أما البعد الثاني والمتعلق بنقل السلطة في سلالة عبد العزيز من تسلسل البكورة المعهود بين الأشقاء لتركيزه في أيدي فريق محدد من أبنائه، الذين بدأ نفوذهم بالتنامي منذ استيلاء فيصل على السلطة من شقيقه سعود عام1384هـ - 1964، وما زال في تصاعد مستمر حتى يومنا هذا، وهو ما يستدعي منا أولاً القيام باستعراض مبسط لمبدأ الخلافة في المملكة العربية السعودية وما شهده من تحولات منذ رحيل مؤسسها.

من الخطأ الادعاء أن أبناء عبد العزيز يشكلون كتلة واحدة ضمن مؤسسة متماسكة منذ رحيل والدهم عام 1953، فهناك عناصر مختلفة تؤثر في حق كل فرد منها وقدرته على امتلاك السلطة بعيداً عن المزايا الشخصية أو الكفاءة الإدارية والاتجاهات العقائدية والنظرة الاقتصادية التي يتمتع بها كل منهم، وهي تعتبر بمجموعها من المسائل الأبرز والأكثر أهمية لضمان الإمساك بمقاليد الحكم السعودي.

1-مبدأ خلافة البكر

2- النسب والعشيرة التي تنتمي إليها الأم

3- عدد الأشقاء من جهة الأم

4- دور الأبناء من الجيل الجديد في السلطة

5- النفوذ السياسي والعسكري في الدولة

1- مبدأ خلافة البكر

برغم إدراكنا بتكريس هذا المبدأ كشرط سياسي رئيسي للخلافة، لا بد من التذكير بأن وفاة الملك فيصل عام 1975 قد بدأت عهداً من تخطي هذه الميزة عبر تنازل الأمير محمد بن عبد العزيز عن الحكم "طوعاً" لصالح شقيقه خالد الأصغر سناً، كما تكررت هذه الحالة مجدداً عام 1982 عندما تخطى الملك فهد شقيقيه الأميرين ناصر وسعد، بينما لم يتخطَّ عبد الله أحداً لأن منصور، الشقيق الذي يكبره سناً كان أول وزير دفاع سعودي توفي عام1371هـ - 1951، حتى سلطان الذي عين ولياً للعهد فقد تخطى بذلك شقيقه بندر الذي يكبره بعام على الأقل.



(أنظر ملحق علاقات الأخوة بين أبناء الملك عبد العزيز من جهة الأم).

2- النسب والعشيرة ( الأسرة أوالقبيلة ) التي تنتمي إليها الأم

نفهم من ذلك أن مبدأ البكورة رغم أهميته، أصبح قابلاً للانتهاك انطلاقاً من العوامل الأخرى المبينة أعلاه، إذ يمكن القول أن لمكانة الأم والعشيرة التي تنتمي إليها تأثيراً هاماً في ارتقاء بعض الأمراء على حساب أخوتهم أوحتى أشقائهم ولو كانوا أكبر سناً، فعندما تخطى خالد شقيقه محمد فقد فعل ذلك مع شقيق له من أمه، جوهرة بنت مساعد، وهي من عشيرة آل جلوي الواسعة النفوذ والتي تعتبر من أبرز العائلات المشاركة في النزاع على السلطة هناك؛ المهم أن لتخطي محمد صلة بما تمتع به من نفوذ وسلطة في أوساط العائلة واضطراره للتنازل "طوعاً" لصالح خالد بناء على رغبة فيصل وإصراره على اختيار الشقيق الأقل سلطة ونفوذاً.

أما تخطي فهد لناصر فنجد أنه يعود أولاً لوقوفه إلى جانب سعود في نزاعه مع فيصل، إلى جانب ماضيه الموسوم بعدد من الفضائح، وربما كان لكونه ابن محظية مغربية ( جارية ) لا مكانة لها في بنية عشائر وقبائل الجزيرة ونفوذها. وبخصوص شقيقه سعد فصحيح أنه ابن جوهرة بنت سعد السديري، الأرملة السابقة لشقيق عبد العزيز، إلا أنه لم يتول أي منصب رسمي ولم يلعب أي دور في السياسة.

وما كان لأحد أن يتخطى عبد الله ليس لنفوذه السياسي ووقوفه على رأس الحرس الوطني فحسب برغم أهمية هذه المسائل التي سنأتي على ذكرها لاحقاً، بل ولكونه ابن فهدة بنت عاصي الشمّري، ابنة قبيلة آل شمّر التي تزوج منها عبد العزيز ليفوز بدعم فريق رئيسي من آل الرشيد المنافسة في حائل، ما قد يجعل أمه من نسب عريق برغم ضعفه نسبياً بالمقارنة مع المرتبة التي يحتلها في العائلة.

3- عدد الأشقاء من جهة الأم

لا بد من التنويه أيضاً إلى أنه ليس لعبد الله من أشقاء يعززون مكانته، وهذا جانب آخر يجب إبرازه، إلا أن شقيقتاه نوف وصيتة لعبتا دوراً هاماً من وراء الكواليس كما يؤكد جوزيف إ. كيشيشيان[13]، حيث دبرت الأميرة نوف زواج جوهرة بنت عبد الله بن عبد الرحمن من وزير الخارجية سعود بن فيصل الذي أصبح يحسب مع أشقائه منذ سنوات على الفريق المؤيد للملك الحالي.

برغم كل ما ذكر حول عناصر الضعف المحيطة بعبد الله فقد استطاع ردمها بعلاقات وثيقة مع أخوته من أبيه وأبناء إخوانه الذين لا إخوة أو حلفاء أو دعم سياسي لهم في أوساط النفوذ البارزة في الأسرة، أي أنه تحالف مع من لا أمهات لهم ( ذوات نسب لأسرة أوقبيلة كبيرة مؤثرة ) أو أشقاء أو نفوذ لهم، بل ويبدو أنه تعمق في سيره على هذا النهج عبر توسيع رقعة نفوذه لتطال المجتمع السعودي فقام في تشرين أول/أكتوبر من عام 1999 ( 1419هـ ) بالتجوال في بعض الأحياء الفقيرة أكثر من مرة كما سار وسط المجمعات التجارية في الرياض وجدة حيث تحدث إلى المتسوقين وتناول الوجبات السريعة مع الناس، وفق ما أكّده أنور عبد المجيد الجبريتي في مقالة "الأمير عبد الله والسوق" التي نشرت في الصفحة 23 من صحيفة الحياة 24-10-1999.

من الواضح أنه بعد عهدي فيصل وسعود اللذين لم يكن لهما أشقاء لجهة الأم بل اعتمدا على ما اكتسباه من نفوذ عبر تعيينهما في مناصب هامة مختلفة من قبل مؤسس الدولة الملك عبد العزيز، أصبحت التكتلات التي يشكلها الأشقاء من أبرز العناصر التي تكوِّن التحالفات القائمة في كنف الأسرة الحاكمة، وهذا ما ينطبق تحديداً على ما يعرف بالأشقاء السبعة وهي ظاهرة تكشف لنا أهمية هذا الجانب في بلوغ السلطة وهي تستحق بالتالي التوقف عند خصائصها.

يجمع المراقبون للداخل السعودي أن هذه المسألة لا تنطبق على السديريين فحسب، فقد كان الملك خالد وشقيقه الأكبر محمد متفقين على مختلف القضايا السياسية والإدارية في البلد، كما اتفق فهد وسلطان على مجمل القضايا منذ أواسط الخمسينات حيث وقف الاثنان مع فيصل في نزاعه مع سعود، كما تعاونا في عهد الملك خالد على الحد من نفوذ عدد من الأمراء المنافسين على السلطة، خاصة تأثير الأمير عبد الرحمن بن عبد العزيز[14].

وهذا ما نراه أيضاً في التكتل الذي شكله الأمراء منصور ومشعل ومتعب، أبناء عبد العزيز من محظية أرمينية ( جارية ) اسمها شهيدة ، فحين كان منصور أول وزير دفاع في السعودية، قام بتعيين شقيقه الأصغر مشعل نائباً له، وما إن توفي منصور عام 1951 حتى حل شقيقه مشعل محله، ثم قام هذا الأخير بتعيين شقيقهما الأصغر متعب في منصب نائب الوزير. وقد أُبعد كلاهما عن الوزارة إبان عهد الملك سعود، ثم أعيدا إلى السلطة على يد الملك فيصل الذي أوكل إليهما منصبي أمير ونائب أمير مكةالمكرمة على التوالي.

كان الأشقاء السبعة الذين انجبتهم حصة بنت أحمد السديري (والذين أصبحوا ستة بعد وفاة فهد عام 1426هـ - 2005م ) يشكلون تحالفاً مذهلاً ضمن سلالة آل سعود، وهم يحتلون مناصب رئيسية في البلد، إذ إن سلطان كما ذكرنا أصبح ولياً للعهد ووزيراً للدفاع، وكان عبد الرحمن يتولى شؤون العائلة المالية إضافة لمنصبه كنائب لوزير الدفاع ، ونايف وزير للداخلية، وتركي الذي كان نائباً لوزير الدفاع ثم استقال عام 1979 بعد فضيحة زوجية، ليصبح من كبار رجال الأعمال وأبرز الوسطاء في صفقات التسلح (( يستقر في القاهرة منذ سنوات طويلة )) [15]، (أنظر فصل الفضائح في ملف التسلح) وسلمان أمير منطقة الرياض، وأحمد نائب وزير الداخلية.

نلاحظ هنا أن هذه أهم المناصب في أي دولة كانت ، والأهم من ذلك أن النفوذ السياسي الخاص بهؤلاء الأشقاء متشابك جداً، إذ نرى على سبيل المثال أن الأمير سلطان قد عمل على تعيين شقيقه الأصغر تركي نائباً له عام 1969؛ وهذا هو حال الملك الراحل فهد حين كان وزيراً للداخلية، فقد عين الأمير نايف نائباً له عام 1390هـ - 1970 ، وهو ما ينطبق على أصغر الأشقاء، الأمير أحمد، الذي ارتقى ليشغل منصب نائب وزير الداخلية حال تسلم شقيقه نايف تلك الوزارة عام1395هـ - 1975.

4- دور الأبناء من الجيل الجديد في السلطة

يعتبر أحفاد عبد العزيز فريقاً متميزاً في الأسرة المالكة، فهم الجيل الصاعد الذي يتمتع بمستوى تعليمي متقدم ويتأثر بالأفكار المنفتحة نسبياً، ولكنهم ينقسمون فيما بينهم إلى جماعات يتلقون فيها الدعم المباشر من آبائهم عبر تولّي المناصب من خلالهم، وبالتالي فهم يتأثرون بمدى نجاح أو فشل آبائهم، وهم في الوقت نفسه يشكلون بالمقابل دعماً سياسياً لنفوذ آبائهم عبر المناصب التي يشغلونها.

هذا ما رأيناه في فصل سابق من تعيين سعود لأبنائه في المناصب البارزة، فوضع فهد ومحمد في وزارة الداخلية، وعين سعد رئيساً للحرس الوطني، وبندر ومنصور في رئاسة الحرس الملكي، وعين بدر أميراً على الرياض، وعبد الله أميراً على مكة؛ وقد بلغ هؤلاء مستوى عالياً من النفوذ حتى أصبحوا يعرفون كما أسلفنا بالملوك الصغار، ولكنهم سرعان ما جردوا من مناصبهم حين تم خلع والدهم عام 1384هـ - 1964، ولم يتول أي منهم منصباً يذكر حتى اليوم.

ينطبق ذلك على أبناء الملك فيصل الذين تمت ترقيتهم سريعاً بعد توليه الملك عام 1964 وما زال اثنان منهما يلعبان دوراً هاماً في الشأن السعودي المعاصر، هما سعود الذي أصبح نائباً لوزير النفط ثم مديراً تنفيذياً للمجلس الأعلى للبترول، فوزيراً للخارجية منذ عام 1395هـ - 1975، حيث جاء تعيينه بعد مقتل والده وكأنه نوعاً من التعويض والترضية، ويبدو أن الملك خالد أراد من ذلك تعزيز التوازن في موازين القوى المتصارعة على السلطة، خصوصاً وأن سعود الفيصل كان مقرّباً جداً من قائد الحرس الوطني والعاهل الحالي عبد الله بن عبد العزيز[16].

تولى تركي الفيصل منصب نائب لمدير المخابرات ( الاستخبارات ) قبل ارتقائه إلى منصب مدير لشؤون هذه الهيئة، فقائدٍ للقوات السعودية في مكة عام 1979. وقد عين في منصب مدير المخابرات من قبل الملك خالد بالهدف نفسه المتعلق بتوازن القوى المتصارعة على السلطة بين السديريين وعبد الله. ويبدو أن الملك فهد استطاع بعد تسلم السلطة اختراق هذا الحصن بتعيين ابنه الأمير سعود بن فهد نائباً لتركي الفيصل، فشكل حضوره ضمانة لإطلاع الملك على كل شاردة وواردة، إلى جانب تعديل موازين القوى لصالح السديريين مجدداً.

أما أبناء عبد الله بن عبد العزيز، فهم الأمراء خالد ومتعب وتركي وفيصل وعبد العزيز ومشعل، وقد شغل ثلاثة منهم مناصب هامة في الحرس الوطني. علماً أن يعتبر الأبرز من بين أبنائه إذ لعب دوراً هاماً في أوساط زعماء القبائل وشيوخها الذين يحبونه ويتوددون إليه، حالهم كحال كبار الضباط والمجندين في الحرس الوطني الذي يلعب دور حماية الأسرة المالكة وحفظ التوازن القبلي في المملكة لما يضم في كنفه من عناصر تنتمي إلى العشائر ( القبائل ) الموثوقة والمنتشرة في أرجاء البلاد.

وحين ارتقى فهد بن عبد العزيز على العرش أخذ يعزز من مكانة أبنائه ليميز من بينهم الأميرين محمد وعبد العزيز، إذ يعتبر الأول من أبرز رجال الأعمال السعوديين بامتلاكه عدد كبير من الشركات العالمية، نذكر منها شركة البلاد التجارية الضخمة، وهي عبارة عن تكتل لمشاريع الاستيراد والتصدير والأعمال المتنوعة الأخرى إذ قامت إحداها في إدارة مشروع تطوير أنظمة الهاتف في المملكة، بالتعاون مع بيل كندا وفليبس هولندا، وبلغت قيمتها عشرة مليارات دولار[17].

على هامش الصفقات التجارية فقد أوكل فهد إلى ابنه محمد حكم المنطقة الشرقية الحرجة، والتي تعتبر، وفق المعايير السعودية من أصعب المناطق الإدارية في المملكة، لما تتصف به من معضلات طائفية، خصوصاً وأن الغالبية العظمى من سكّانها ينتمون إلى الطائفة الشيعية التي يجمع المراقبون على تعرض سكانها لمعاملة المواطنين من الدرجة الثانية في أحسن الأحوال.

اعتبر عبد العزيز الابن المفضل لدى فهد، إذ كان الأمير الشاب يرافق والده في جميع وفوده الرسمية وغالباً ما كان يجلس خلف الملك مباشرة في كافة المناسبات العامة. وفي العام 1999 جرى تعيينه في منصب وزير دولة للشؤون الحكومية، وفي مراحل متقدمة من مرض الملك فهد عمل الأمراء سلطان وسلمان ونايف في إطار حملات توسيع دائرة التضييق على ولي العهد الأمير عبد الله، جرى تعيين عبد العزيز أميناً عاماً للحكومة، حيث عمل على تأكيد استمرارية والده الفاعلة في السلطة عبر توقيع المراسيم الملكية الهامة من قبل والده [18].

خالد بن سلطان هو ابن ولي العهد الحالي سلطان بن عبد العزيز، وقد عين قائداً لسلاح الدفاع الجوي عام1406هـ - 1986 وجرت ترقيته إلى رتبة فريق ، ثم نُصب إثر الاجتياح العراقي للكويت عام1411هـ - 1990 قائداً لكافة القوات العربية والمسلمة على أرض السعودية، ما أكسبه شهرة ونفوذاً كبيرين. وهو يلعب دوراً مؤثراً على الرأي العام السعودي، فبعد خروجه من السلك العسكري استملك صحيفة الحياة الصادرة في لندن، كما نشر كتاباً حول الدور الذي لعبه في حرب الخليج، يكشف من خلاله تصميمه على بلوغ السلطة، وذلك وفق ما يؤكده باتريك سيل[19].

في عام 1422هـ - 17-1-2001 صدر أمر ملكي بتعيين الأمير خالد معاوناً لوزير الدفاع والطيران في الشؤون العسكرية، مع رتبة وزير. ويقول جوزيف إ. كيشيشيان[20] أن عودة خالد لتولي هذا المنصب الوزاري قد رسخت موقع الأمير سلطان بن عبد العزيز في العائلة، وذلك من خلال تعزيز حلف الأب، وعزز مكانته السياسية ليقترب أكثر فأكثر من العرش.

الأمير بندر بن سلطان هو الابن الرابع لولي العهد الحالي الأمير سلطان، وقد زوجه الملك فيصل إحدى بناته ثم دفعه إلى العمل الدبلوماسي؛ شغل عام1403هـ - 1983 منصب سفير للسعودية في الولايات المتحدة، كما أوكل إليه الملك فهد مهمات أخرى تتجاوز منصبه الرسمي، كان من بينها ما نشرته وسائل الإعلام الأمريكية عن تورطه فيما عرف بفضيحة إيران كونترا والمتعلقة بتمويل صفقات أسلحة أمريكية لإيران مقابل تقديم الدعم للعصابات المعادية للحكومة الساندينية المنتخبة في نيكاراغوا[21].

لحاكم الرياض الأمير سلمان عدة أبناء برز من بينهم الابن الرابع عبد العزيز ورجل الفضاء سلطان. شغل عبد العزيز منصب نائب وزير النفط السعودي المستحدث عام 1996 بعد أن كان على خلاف دائم مع وزير النفط السابق هشام ناظر. وهو يتمتع بشعبية كبيرة كما تحيط به حاشية واسعة من المستفيدين الذين ينعمون بسخائه كونه يطل بحكم وظيفته على الجانب الأهم من موارد الدخل الرئيسي في المملكة.

سلطان بن سلمان، رجل فضاء سعودي طار على متن مكوك الفضاء الأمريكي ديسكوفري عام1405هـ - 1985، وبرغم عدم توليه مناصب حكومية إلا أنه يلعب دوراً هاماً في الرأي العام السعودي لما لديه من دور تربوي وانكبابه على رسم جذور آل سعود ومنشئها وسعيه الدائم في هذا الإطار إلى تشبيه والده، الأمير سلمان بجده عبد العزيز، وهو يكتب مقالات مؤثرة في الصحف المحلية، كثيراً ما ينتقد فيها بعض المسؤولين كما حدث عندما حذر وزير الإسكان من إمعانه في تبذير ميزانية الوزارة ومصاريفها.

ويقول الكاتب والصحافي مرتضى السيد في مقالة ينشرها موقع قضايا الخليج على الإنترنت تحت عنوان (ملاحظات وقضايا الجيل الثالث وقضايا الإصلاح في السعودية) أن الأمير نايف من جهته منح ابنه محمد صلاحيات واسعة في وزارة الداخلية، تحت مسمّى مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية، فأصبح الرجل الأول بعد أبيه، وكثير من أعمال أبيه أوكلت إليه، فهو من الناحية الفعلية رجل الوزارة الأبرز، متخطيّاً في ذلك عمّه الأمير أحمد نائب وزير الداخلية، كما تخطّى كلّ الضباط الذين استاؤوا من تعيينه، وبينهم رئيس المباحث السابق صالح الخصيفان

5- النفوذ السياسي والعسكري في الدولة

نرى من خلال ما سبق أن الوزارة التي يتولاها كل من أبناء عبد العزيز تصبح نوعاً من دائرة النفوذ الحصرية الخاصة به وبأشقائه من والدته ثم بأبنائه من قبلهم أو من بعدهم، أي أن الابن قد يكون نائباً للأخ، كما أنه قد ينافس عمه على الصلاحيات والمنصب كما حصل بين الأمير محمد بن نايف وعمه الأمير أحمد بن عبد العزيز، أصغر السديريين السبعة[22].

وبرغم ما تكشفه هذه الحالة من أن السديريين لا يشكلون كتلة بالغة الصلابة في التماسك، وأن هناك بعض التباينات السائدة بين الأشقاء أنفسهم أو بين أبناء العم أو حتى بين أبناء الجيلين من الأحفاد والأبناء، فإن هذه لا تبلغ حد الخلاف بل يمكن اعتبارها قائمة ضمن مبدأ المثل العربي القائل : أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب.

كما نقرأ مما سلف أن الوزارات والمؤسسات التي تحولت إلى ما يشبه قواعد النفوذ الشخصي لكل من الوزراء، تشكل في توزيعها نوعاً من الآلية اللازمة لحفظ التوازن بين القوى المتصارعة، والتي يتم العمل الدؤوب على ضربها بين الحين والآخر، إما من خلال تعزيزها داخلياً عبر الأشقاء والأبناء، أو بتمديدها نحو وزارات أخرى توسع نفوذ الفئات المتصارعة على السلطة، كما فعل فهد عبر تعيين ابنه الأمير سعود نائباً لابن أخيه تركي الفيصل في جهاز الاستخبارات.

لا شك أن التفاعلات التي وقعت بين الأطراف المتنازعة قد جرت كما رأينا في الوزارات الحاسمة باستمرار، كما اتضح لدينا أنه برغم إمساك السديريين بوزارات السلطة الرئيسة وهي الداخلية والدفاع وإمارة الرياض، فقد حاولت منذ أواسط الستينات حتى اللحظة الأخيرة من مرض الملك فهد وإصابته بما يشبه الموت السريري، حاولت إطلاق الحملات تلو الأخرى لتقويض نفوذ ولي عهده الأمير عبد الله، دون أن توفر اللجوء إلى الاشتباكات المسلحة لتحقيق هذا الهدف.

ويبدو أن قدرة الطرفين على استخدام القوة المسلحة، وانتشار الطرفين على أوسع نطاق ضمن العناصر الفاعلة في الأسرة، يدفعهما إلى التخفيف من احتدام النزاع وتأجيل الخصومات الأسرية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه العائلة المالكة برمتها وتجعل كل منهم يستمر بالعمل التراكمي لإيجاد الظروف المؤاتية التي تضمن استيلاءه الكامل والنهائي على السلطة.

علماً أن الفرقاء المتصارعة على السلطة انتقلت منذ مقتل الملك فيصل إلى نوع من الصراع من أجل البقاء، فهي في بعض من جوانبها تعيد إلى الأذهان المخاوف التي أثارها سعود بن عبد العزيز لدى أخوته حين قام بتعيين أبنائه في المناصب الرئيسية للحكم، وأوشك على تسمية ابنه ولياً للعهد، ما شكل تهديداً بحرمان أخوانه من حقهم في توارث السلطة مقابل خطر الإطاحة به وخلعه عن العرش ونفيه.

صحيح أن السديريين الآن في مكانة لا تقل تحصيناً من الحكم السعودي نفسه، ولكن هذا ما أوحت به مجموعة السديريين عبر توليها المناصب الرئيسية الأبرز للحكم، وسعيها الدائم لإبعاد جميع العناصر المنافسة لها عن مناصب النفوذ، كما هو حال محاولاتها المتكررة لخلع عبد الله وإبعاده عن قيادة الحرس الوطني لما تشكله قوته العسكرية من عماد أساسي للتوازن الحاصل بين القوى المتصارعة على السلطة.

ولكن لو استثنينا ما آلت إليه الأمور اليوم بعد إعتلاء أحد الأشقاء على العرش، (فهد) وتولي آخر (سلطان) ولاية العهد من بعده، وترشح ثالث (سلمان) تولي السلطة من بعده ( وهذا ما سنأتي على توضيحه لاحقاً) وتمسكهم مع أبنائهم بالحقائب الرئيسية في الحكم السعودي، لو استثنينا كل ذلك، يبقى هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح لارتباطه العضوي في جوهر هذا الملف : إلى أي مدى نستطيع القول إن الظروف التي كانت سائدة عام 1975 تستدعي من السديريين تحفيز الاستفادة من جريمة اغتيال الملك فيصل، أو ربما احتمال وقوفهم وراءها؟

إلى جانب مجموعة المعطيات والدلائل التي قدمت في سياق البحث والمتعلقة باللقاءات المتكررة للأمراء السديريين سلطان وفهد وسلمان المسبقة بالجاني، ومسؤولياتهم غير المباشرة عن موت العاهل السعودي، باعتبارهم المعنيين بحماية أمن الحكم والحاكم كوزراء للدفاع والأمن الداخلي والعاصمة الرياض على التوالي، بالإضافة إلى ما رافق الجريمة من إجراءات احترازية مباشرة كالاستنفار الفوري وإمساك الوزراء الثلاثة بزمام الأمور في البلد، ناهيك عن وقوع الجريمة أثناء غياب خصمهم الرئيسي عبد الله، والإصرار على احتجاز القاتل في منزل الأمير سلمان تحت إشراف الأشقاء أنفسهم..،إلخ.

أضف إلى ذلك، وبعد ما قدمناه من شروط أساسية متعارف عليها لتولي السلطة في السعودية، كمبدأ البكورة ونسب الأم وعدد الأشقاء وتنصيب الأبناء وما يتمتع به المرشح من قوة ونفوذ سياسي عبر المنصب الذي يتولاه، نجد أن هذه الشروط بمجملها لا يتمتع بها أحد من أبناء عبد العزيز بقدر ما يمتلكه الأشقاء السديريين؛ وقد لا يخطئ من يقول أن هذه الشروط مجتمعة أصبحت اليوم حكراً عليهم وحدهم، وقد لا يستثنى من هذه القاعدة إلا الملك عبد الله وأبناء الملك فيصل .

لو عدنا للتأمل مجدداً في ملحق علاقات الأخوة بين أبناء عبد العزيز من جهة الأم لوجدنا أن أصغر أبناء عبد العزيز قد ولد عام 1947، أي أنه أصبح اليوم في الستين من عمره، وهو نفس العمر الذي كان عليه الملك فهد عندما تولى العرش بعد وفاة أخيه الملك خالد بن عبد العزيز عام 1982، وهو عمر الملك فيصل حين تولى الحكم من أخيه عام 1964، الاستثناء الوحيد كان للملك سعود الذي كان في الخمسين من عمره تقريباً حين أصبح ملكاً، وهو عمر مناسب للتمتع بالسلطة، ولكنه استثناء لن يتكرر مع أي من الأبناء.

الأعمار بيد الله، وكم من مُعافى رحل عن هذه الدنيا قبل العليل، وكم من شاب غادرها قبل ذي شيب، إلخ، ومع ذلك لو انتظر الأمير حمود، آخر أبناء عبد العزيز، دوره في الحكم بغض النظر عن كونه ابن وحيد لأمه فطيمة، المحظية اليمنية ( جارية ) التي لا مكان لها وسط تحالفات العشائر السعودية ولا يمسك هو بأي وزارة ذو وزن وبالتالي لا يتولى أي من أبنائه مناصب يعتمد عليها، لو تغاضينا عن كل ما سبق، لكان عليه الانتظار حتى يحكم 27 من أشقائه الباقين، ثم يأتي دوره في الحكم، هذا إن كان حينها ما زال على قيد الحياة، والأعمار بيد الله.

ولو تابعنا هذه الفرضية الهادفة سنجد أنه إذا تنازل جميع أخوته الذين يسبقونه عن حقهم في الملك لصالحه، كما حصل مع فهد حين تنازل له أخوانه محمد وناصر وسعد، لن يكون عليه بعد ذلك إلا أن يعمل على تقوية عضد أبنائه حتى يتسلموا الحكم من بعده كونهم أحق من أبناء أخوته، وليس في الأعراف السعودية الراهنة ما يحول دون ذلك، مع أنه قد يجد معارضة من أحد أبناء من سبقوه في المُلك.

هذا لو انطلق من نص الميراث الذي تركه الملك عبد العزيز واعتماده على مبدأ البكورة في الخلافة دون أن يترك مجالاً للالتباس، حيث أصدر قبل شهر من وفاته أي في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1953، مرسوماً ملكياً يقضي بتشكيل مجلس للوزراء، وعين ولي العهد ابنه الأكبر سعود رئيساً للمجلس، ثم قام سعود مباشرة بتعيين فيصل نائباً لرئيس مجلس الوزراء، فاعتبر القرارين تعزيزاً لحق سعود الأخ الأكبر بتولي العرش وتمهيداً لاعتبار شقيقه التالي فيصل ولياً للعهد، وهكذا دواليك..

إلا أن فرص الأمير حمود وغيره من الأخوة قد أصبحت على "كف عفريت" بعد المرسوم الملكي الذي أصدره الملك فهد في آذار مارس من عام 1992 والذي ضم مجموعة من الوثائق الهامة كالنظام الأساسي للحكم والقوانين المرعية في تشكيل مجلس الشورى الحديث وقانون المناطق وغيرها من تلك التي قد تؤلف بمجموعها نوعاً من نشوء آلية مؤسساتية شبه واضحة، جاءت انعكاساً لتبعات حرب الخليج وتنامي أصوات المعارضة والاحتجاج الشعبي.

المهم أن النظام الأساسي للحكم قد انقسم إلى تسعة أبواب رئيسية تناولت المبادئ العامة ونظام الحكم ومقومات المجتمع والمبادئ الاقتصادية والحقوق والواجبات وسلطات الدولة والمالية والرقابة والأحكام العامة. وقد تمتع الباب الأول منه، أي النظام الأساسي بأهمية كبيرة إذ يحتوي الباب الثاني منه على قسمين احتويا على النقطة الأكثر وضوحاً وغموضاً في آن معاً مع ما يعنيه المرسوم من انقلاب ثوري بكل ما في الكلمة من معنى.

ينص البند (ب) من المادة الخامسة في النظام الأساسي على أن "يكون الحكم في يد أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود وأبناء الأبناء.. ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

يكمن الوضوح والغموض هنا تحديداً في عبارة "يبايع الأصلح منهم للحكم" فهي عبارة مبهمة غامضة مليئة بمساحات ضبابية تترك مجالاً للتأويل والالتباس. فلا أحد يعرف ما هي المقاييس والمعايير التي يمكن الاعتماد عليها في تحديد من هو "الأصلح منهم" إلا إن كان المرسوم واضحاً في تقديره إلى بديهية أن يكون الأصلح هو الأكثر تمرساً في السلطة والذي له باع طويل في دهاليز السياسة ، وهذا ما لا ينطبق إلا على أشقائه السديريين وأبنائهم بشكل أساسي.

أما البند (ث) من المادة الخامسة لنظام الحكم الأساسي فهي تنص على أن "الملك يختار ولي العهد ويعفيه بأمر ملكي"، ويبدو أن هذه العبارة قد جاءت لتهدد سلطة ولي العهد حينها الأمير عبد الله بن عبد العزيز، برغم أنها اتبعت بطمأنة الملك فهد لولي عهده بالمحافظة على موقعه، كما أنها جاءت لتهدد كذلك ميزان القوى السائد، وتلغي مع سابقتها مبدأ البكورة كلياً، ولا تبقي أي مجال للشك في ترك الأمور المتعلقة بالسلطة كي تحسم على الأرض بين مجموعات القوى والموازين السائدة بينها.

وقد جرى كل ذلك وسط اتفاق شبه ضمني بين كافة الأمراء البارزين على خلافة الأمير سلمان بن عبد العزيز لشقيقه سلطان، خصوصاً وأن سلمان عرف بدور الوسيط الذي لعبه بين فهد وعبد الله، كما أنه يجمع في إدارته لمنطقة الرياض كما يبدو للعيان بين الحداثة والتقليدية وتكيفه مع مقومات القبائل واحتياجاتها، كما عرف الكثير عمن يحيطون به من خبراء وتكنوقراطيين شبان من خريجي الجامعات ذوي الكفاءة العالية.

إلا أن اقتراب سلمان من الحكم يشكل بحد ذاته خطوة أخرى على طريق المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم والمشار إليها سابقاً. إذ أن ذلك يشكل تخطياً لإثني عشر أميراً يكبرونه سنًا .